عاجل

البث المباشر

عبد المنعم سعيد

كاتب ومفكر مصري

كاتب ومفكر مصري

فقه الأزمات المركبة مرة أخرى

قبل شهور، فى ٧ إبريل تحديدا، نشرت مقالًا عن «فقه الأزمات المركبة»، كانت أزمة الكورونا قد كشّرت عن أنيابها مستدعية اتخاذ إجراءات حازمة، ولم تكن الأزمة واقفة وحدها تطلب المعالجة، وإنما كانت هناك أزمات أخرى مستعرة وتتطلب اهتمامًا وتركيزًا من صانع القرار. والأزمات بطبيعتها ديناميكية، حيث تتضمن مجموعات من التحركات والتحركات المضادة التى تغير الكثير مع حركة الزمن، والذى يستدعى الانتباه والتقدير.

وطالما أن الأزمة- وفى هذه الحالة الأزمات- مستمرة فإنه من الضرورى تعريفها بدقة، فهى ليست حربًا ولا صراعًا، ودائرتها الأساس النزاع أو تناقض واختلاف المصالح، القوة المسلحة فيها ليست فى مقدمة الحركة، ولكن حسابها موجود فى أذهان الأطراف كلها، منذرة ورادعة. وما يقع فى المقدمة هو السياسة والدبلوماسية والمفاوضات، وهذه معضلتها أنها فى بحثها عن «التسوية» كثيرا ما تكون غامضة، وهى دائما تقع تحت ضغط السؤال: «ثم ماذا بعد؟»، الذى يلح فى كل جولة أن تكون هناك نتائج يمكن قياسها على المصالح العامة، وهذه بدورها يطاردها السؤال عن الفائز والخاسر. وفى فقه معالجة الأزمات المركبة من أزمات داخلية وخارجية، وهذه وتلك تختلف فى داخلها الأطراف، فهى فى الداخل جائحة الكورونا والإرهاب، وفى الخارج زحف تركيا على ليبيا حاملة عشرين ألف مقاتل إرهابى خارجين توًّا من معارك سوريا والعراق وما بينهما من مناطق وساحات، مضافًا لذلك الموقف الإثيوبى من دولية نهر النيل وضغطه من أجل ملء خزان السد. ولا يوجد فى فقه هذه الأزمات كلها ما يمنع ظهور أزمات أخرى تطرح فيها إسرائيل إمكانية ضم أجزاء إضافية من فلسطين تصل إلى ٣٠٪ من الضفة الغربية.

نجاح أى دولة فى مواجهة أزمات مركبة يتوقف على ثلاثة أمور: أولها مدى استعداد الدولة وقدرتها دائما على بناء عناصر القوة المختلفة. وثانيها قدرتها على ترتيب الأولويات، ليس على طريقة أيها أكثر أهمية وأيها أقل، وإنما ربط الأهمية والأولوية بحالة الأزمة ذاتها، لأن ذلك سوف يحدد حجم استثمار عناصر القوة اللازمة. وثالثها القدرة على اتخاذ القرار. الشروط الثلاثة ساعدت مصر كثيرا خلال الشهور الماضية وهى تواجه خطر الكورونا.. وهى تتعامل مع مفاوضات السد الإثيوبى.. وهى تواجه تطور الوقائع فى ليبيا.. وهى فى كل الأحوال تواصل بناء الدولة بإصرار وعنفوان. فرغم ما يبدو من ازدحام الساحة من «تحديات» هى فى جوهرها أزمات، فإن مصر كانت مستعدة لها بأكثر من أى وقت مضى، فأىٌّ منها لم يأخذنا على غرة، وعندما حدثت كنا مستعدين، وأكثر من ذلك كانت لدينا الموارد الكافية، بشرية ومادية، للتعامل معها.

وخلال السنوات الست الماضية، حققت مصر تراكمًا رأسماليًا كبيرًا وضع أمامها موارد للتعامل مع الأبعاد الصحية والاقتصادية لأزمة كوفيد- ١٩، وحتى عندما زادت ضغوطها لم يحتج الأمر جهدا كبيرا للحصول على تمويل إضافى من صندوق النقد الدولى، لأن الصندوق كان مطلعًا على سجل مصر المشرف فى الإصلاح الاقتصادى، ولم يعد يحتاج ضمانات جديدة أكثر من ذلك. وخلال نفس الفترة جرت تقريبا عملية شاملة لإعادة بناء القوات المسلحة تسليحًا وتدريبًا وانتشارًا فى الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسية ضاعفت من قدراتنا على الردع والوصول إلى أهداف بعيدة.

فقه إدارة الأزمات يجعل النجاح فيها دائما مقدرا بنقاط المصالح التى جرى تعظيمها أو التقليل من الضرر الذى يلم بها، ولا يستبعد فيها بناء مصالح مشتركة يخرج منها جميع الأطراف فائزين. ومن ينظر إلى الإدارة المصرية للأزمات المختلفة خلال الشهور الماضية سوف يجد احتواء وحصارا للإرهاب، وتراجعا كبيرا فى حدة الجائحة بحيث لم تعد تمنع من استئناف قدر غير قليل من الحياة الطبيعية، ووقوف الأزمة الليبية عند خط سيرت- الجفرة الذى جعلته مصر خطًا أحمر، أما الأزمة مع إثيوبيا فهى لاتزال تتأرجح ما بين أن تكون انتصارا لكل الأطراف نتيجة خطط طموحة للتنمية الإقليمية لوادى النيل، والحفاظ على أنصبة تاريخية فى ظل اتفاقيات ملزمة، أو استمرار التفاوض، وفى كل الأحوال فإن مصر لا تفقد نقطة ماء واحدة. حدث ذلك بينما لم تتوقف مصر لحظة عن استكمال مشروعاتها العملاقة، وفتح الطريق أمام مشروعات جديدة، واتخاذ قرارات صعبة فى مواجهة ملفات طال انتظارها فى التاريخ المصرى المعاصر، من التعليم للصحة للقوة الناعمة المصرية، وتصحيح أوضاع العشوائيات والقمامة وأمور صعبة كثيرة.

باختصار، فإن استمرار بناء عناصر القوة المصرية لا يساهم فقط فى مواجهة أزمات حالية، وإنما يعدنا لمواجهة تحديات وأزمات مقبلة.. تلك هى المسألة!.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات