عاجل

البث المباشر

رودريغ فينيلون ماسالا

<p>كبير المراسلين&nbsp;فاينانشيال افريكا</p>

كبير المراسلين فاينانشيال افريكا

القادة الليبيون: هل سيخلّد التاريخ أسماءكم؟

لم تكن ليبيا طوال تاريخها عرضة لتدخلات متزامنة لقوى خارجية متعددة كما هو الحال في الوقت الراهن، ولم يثر هذا البلد، الذي يعد زهرة شمال أفريقيا، الأطماع الخارجية بالشكل الذي أصبحت تعرفه حاليا.
فقد استطاعت ليبيا أن تخرج سالمة من محطات تاريخية مؤلمة تعرضت خلالها، بالنظر لموقعها الجيوستراتيجي المهم، للاستعمار من طرف عدة قوى، بدءا من الإمبراطورية الرومانية، مرورا بالإمبراطوريتين البيزنطية والعثمانية وانتهاء بفترة الحماية والاستعمار الإيطالي.
ويبدو أن الوضع قد تجاوز حاليا الليبيين أنفسهم، وخرج أيضا عن سيطرة القيادات الشرعية الليبية وتلك التي نصبت نفسها ممثلة للشعب الليبي إن كان ذلك بطريقة شرعية أو مفترضة، شجبها البعض ووصفها آخرون بالهرطقة.
ليس صاحب هذا المقال بحكم ولا بطرف من أطراف الأزمة الليبية، وإن هدفه ليس بالقطع محاسبة نوايا الأطراف الليبية الداخلية التي قد تكون مخطئة أو محقة في نفس الوقت. فالكل يبحث عن دولة ليبية مزدهرة وكلهم مخطئون فيما يخص الاستراتيجية المتبناة لتحقيق ذلك.
إن التوصل إلى حل دائم للأزمة الليبية لن يتم ولا يمكن أن يتأتى إلا بجهود الليبيين أنفسهم والذين يتحتم عليهم جميعا الجلوس على طاولة مفاوضات واحدة، تسودها الصراحة والشفافية ودون أي تحفظ في سبيل تجاوز المشاكل التي ترزح تحتها البلاد.
ولا يمكن لليبيا أن تتفادى كارثة حتمية إلا بهذا الشكل، بحيث أصبح من الضروري على الإخوة الليبيين تبني هذه الطريقة التفاعلية كثقافة واعتمادها كأساس لأي استراتيجية تروم الخروج من الأزمة. ولضمان النجاح في ذلك، يتعين على الليبيين عدم السماح لأي تدخل أو تأثير خارجي على الحوار الليبي-الليبي. ونقول لكل الليبيين “إنكم تعرفون أكثر من أي كان النوايا الحقيقية لجميع الأطراف الخارجية”، ولطرفي النزاع نقول “احذروا قبلة الموت”.
ويجمع كل الخبراء من متتبعي الأزمة الليبية على دعم فكرة أن مصير ليبيا أصبح رهينة للقوى الدولية العظمى وكذلك الإقليمية، ويتفقون كذلك على أن عدم أخذ الليبيين بزمام المبادرة لتقرير مصيرهم، سيسرع من تنزيل سيناريو التقسيم الجاري حاليا بمباركة، مع الأسف، من هذه القوى.
فبالرغم من أن الليبيين واعون تماما بما يحاك ضد دولتهم، فهم مستمرون، بشكل متناقض، في الاستسلام لسياسات القوى الكبرى التي تتبنى أجندات خاصة بها. ودون الدينامية والتفاعل بين الأطراف الليبية، سيبقى الليبيون رهينة لمنطق الضعيف أمام القوي، وهو المنطق الذي وقف ضده العديد من المفكرين على غرار نيتشه وهيقل. وفي نفس سياق هذه الأفكار، إذا تحقق سيناريو تقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ، فإن أولئك الممسكين بمصير ليبيا لا بد وأن يعلموا بأن التاريخ سيحتفظ، بشكل مخز، بأسمائهم كمهندسين متسرعين وفاشلين تورطوا في تقسيم بلد بقي على مر التاريخ موحدا أمام الحملات الإمبريالية.
هذا التاريخ الذي يحتفظ باسم عمر المختار “أسد الصحراء” الذي دافع بكل شراسة على وحدة واستقلال بلاده ضد المستعمر الإيطالي، وهو ما جعل منه أيقونة في الذاكرة الجماعية الليبية والعربية.
لقد حان الوقت لكي يراجع كل من السراج وحفتر والمشري وعقيلة وباشاغا.. تاريخ بلادهم وطرح السؤال التالي ماذا سنترك للخلف والأبناء؟ وكيف سيتم الاحتفاء بذاكرتنا؟

ومن هذا المنطلق، لا يجادل اثنان في أن مصير ليبيا يقرره الليبيون وحدهم. وبذلك فكل المحاولات الرامية إلى إخراج البلاد من أزمتها، بما في ذلك مسلسل برلين، يجب أن تؤخذ من قبل الليبيين بكثير من الحذر، لأن كل هذه المبادرات تحركها مصالح مباشرة أو غير مباشرة لأصحابها.
ويبقى الاتفاق الوحيد الذي تم التوصل إليه، لحد الآن، من خلال حوار ليبي-ليبي حقيقي هو اتفاق الصخيرات الموقع بين الفرقاء الليبيين.
بالنظر للأحداث التي تلاحقت على الساحة الليبية بعد 2015، يجمع المتخصصون في تدبير الأزمات على أن نص الاتفاق السياسي للصخيرات لا يزال يمثل الحل الوحيد والأمثل لحل الأزمة الليبية. كما يجمعون على ضرورة مراجعته وتنقيحه ليصبح آلية للخروج من الأزمة، ويمكن في هذا السياق إدراج مسلسل برلين الذي تفادى منظموه عنوة الإشارة إلى عبارة “اتفاق الصخيرات” لكنهم كانوا مجبرين، في غياب بديل أفضل، على استحضار روح هذا الاتفاق باستعمال عبارة “الاتفاق السياسي الليبي”. وتجدر الإشارة إلى أنه بالنسبة للمختصين في القضايا الدولية، وعلى الرغم مما يبدو عليه الأمر، فإن روح اتفاق الصخيرات ألهمت واضعي مخرجات برلين التي اعتمدت بعض بنود اتفاق الصخيرات كمرجع لها. وبذلك فإن النقطة 7 من مخرجات مؤتمر برلين تحيل إلى اتفاق الصخيرات دون ذكره بالاسم.
أما النقطة 9 فتشير إلى المادة 34 من اتفاق الصخيرات بشأن الترتيبات الأمنية، كما أن النقطة 13 أثارت المادة 34 من اتفاق الصخيرات المتعلق بحل الميليشيات ومكافحة المجموعات الإرهابية. أكثر من ذلك، إن النقطة 25 تدعم دون الإشارة إلى ذلك، اتفاق الصخيرات كإطار ناجع ومقبول للحل السياسي في ليبيا.
ونجد كذلك الإحالة إلى المادة 64 من اتفاق الصخيرات المتعلقة بالحوار السياسي الليبي، لكن هذه المرة، ومع الأسف الشديد، في مرفق البيان الختامي لمؤتمر برلين.
وتكشف هذه الجمل التعبيرية النوايا الحقيقية لعرابي مسلسل برلين بخصوص الحوار بين الإخوة الليبيين.
وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن مسلسل برلين أخطأ بسبب غياب موضوعية ما جاء في مخرجاته وذلك نتيجة الضبابية التي تعامل بها مع اتفاق الصخيرات.
هذه الضبابية يستنبط من خلالها علماء النفس مواقف تتراوح بين النفور والإعجاب. على جانب آخر، سيستشف محللو المضامين والخطابات بسهولة بأن المنظومة التعبيرية لوثيقة برلين قد خانت المنطق الدلالي لكتابها الذين عملوا على نثر إحالات ومراجع اتفاق الصخيرات في مجمل النقاط التي جاءت في نص وثيقة برلين.
ويهدف هذا المنطق الاستطرادي إلى تمييع وتذويب روح نص اتفاق الصخيرات، الذي يرتكز على الحوار الليبي-الليبي المستقل، ومن ثم تحجيم مصداقيته. وعلى هذا الأساس، يمكن التساؤل إن كانت النوايا الحقيقية لمهندسي هذا المسلسل، هي إطلاق حوار ليبي-ليبي؟ وهل يمكن الاستغراب من أن أي حوار حقيقي ومباشر بين الأطراف الليبية لم يحدث منذ سنة 2015؟ وإذا تعمقنا في التحليل، فإن ما يسمى بالمفاوضات بين الليبيين تقام بالوكالة وما بين عرابي الأطراف المتعارضة.
وبذلك بات من المشروع دق ناقوس الخطر وحث الليبيين على عدم الانخراط في المشاريع الانفصالية التي تستهدف بلدهم، فالوقت الحاضر يقتضي التلاحم والتعاضد لأخذ زمام المبادرة وذلك بقبول جميع الأطراف الليبية الجلوس على طاولة واحدة وترك الحساسيات جانبا وبناء مستقبل وطنهم ومستقبل أبنائهم.

*نقلاً عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات