عاجل

البث المباشر

الملك عبد العزيز والوزير عبد العزيز

هُزمت الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ووقّعت على معاهدة «سيفر» التي قسّمت تركة الجانب المهزوم في الحرب، ثم وقّعت اتفاقية «لوزان» في 1923 وبموجبها أُعلنت الدولة التركية الحديثة، بلا مستعمرات عثمانية. وهو ما يُعرف في أوساط فلول العثمانيين بـ«سقوط الخلافة».

سنة 1925 صدر في مصر كتاب صغير اسمه «الإسلام وأصول الحكم»، كتبه علي عبد الرازق الحاصل من الأزهر على شهادة بأنه عالم (شهادة العالمية). والكتاب يقول إن الخلافة الإسلامية مجرد شكل من أشكال الحكم مرتبطة بزمنها، وهو زمن إمبراطوري، لكنها ليست فرضاً دينياً.

الكتاب في معناه السياسي لا يخرج عن هذه العبارة المفتاحية. الدولة الوطنية الحديثة. فهو أولاً كان تجديداً للخطاب السياسي الديني. وهو ثانياً عارض آمال بعض الطامحين في دولة أممية متعدية حدود الدولة الوطنية. وأبرزهم في ذلك الوقت الملك فؤاد صاحب عرش مصر، والذي راودته فكرة خلافة مقرها القاهرة.

الأزهر، الهيئة الدينية الرسمية، فصلت صاحب الكتاب، ونزعت عنه الشهادة بأنه عالِم دين.

ووزير الحقانية عبد العزيز فهمي استقال انتصاراً للكتاب، واعتراضاً على قرار الأزهر.

حين نضع هذين الفعلين متجاورين، سنفهم ما حدث خلال القرن الماضي بصورة أفضل. وقد نحسم سؤالاً أساسياً طاردنا ماضياً وحاضراً، وإن تركناه سيطاردنا مستقبلاً.

إن كنا نلقن أجيالاً من الخطباء والمدرسين أن الخلافة الإسلامية واجب ديني، ماذا نتوقع من الأجيال التي خرجت من تحت أيديهم حين يأتي «خليفة» على الأبواب؟

التنكيل الذي أصاب علي عبد الرازق، ثم الاغتيال الذي أودى بحياة فرج فودة بعده بسبعين عاماً، يخبرنا أن فلول العثمانيين من الإسلامجية، والقوى التي تدعمهم، تعلم جيداً أهمية موضوع الخلافة، ولا تتسامح مع معارضيه. لأنه أساس المشروع السياسي الذي قامت من أجله الحركة، وأُنفق عليه ما أُنفق، وخرب في بلادنا ما خرب بإصرار لكي تظل مهيأة للخليفة القادم، توّاقة إليه، معتقدة أنه المنقذ.

إن انتقلنا من مصر إلى السعودية بعد هذه الواقعة بسنوات أربع سنفهم قرار الملك عبد العزيز آل سعود. انتصاراته أغرت حلفاءه من «إخوان من أطاع الله» بأن يحاولوا التمدد شمال الحدود التي حددها للدولة السعودية الثالثة. وأن يرفعوا هم أيضاً لواء الدين شعاراً لتلك الرغبة السياسية التوسعية. لكنها - أي الانتصارات - لم تغره هو. بل اتخذ أصعب قرار سياسي يمكن أن يتخذه قائد لدولة وليدة، أن يواجه حلفاءه. حتى هزمهم في موقعة السبلة عام 1929، قبل ثلاث سنوات ونصف من إعلانه الدولة.

لم يكن غائباً عن الملك عبد العزيز أن التوسعات قادمة من عقلية الخلافة، العقلية السياسية القديمة. فاتخذ القرار الصعب الذي له ما بعده، لأنه أرسى فلسفة بلد الحرمين، التي لو كان لأحد أن يدّعي أحقية بالتوسع تحت مظلة الإسلام لكانت هي. انظروا ماذا يفعل خليفة إسطنبول الفرح بكنيسة مستلبة تحولت إلى مسجد، ولا تزال تحمل اسم قديسة.

والضِّدُّ يُظهر حسنَه الضدُّ.

ظهرت بعد ذلك طائفة من السياسيين لم تفهم حكمة العزيزين، الملك والوزير.

عزيز المصري باشا كان جندياً في الجيش العثماني، ثم صار مفتشاً عاماً، فرئيساً لأركان الجيش المصري في بداية صعود الملك فاروق إلى العرش. هذا الرجل ناصر فكرة إقامة خلافة عربية بديلاً للخلافة التركية. بتعبير آخر، لم يكن يعترف بالدولة الوطنية. حاول الهروب بطائرة من معسكر للجيش المصري خلال الحرب العالمية الثانية، إلى إحدى وجهتين يحارب فيهما الإنجليز، حيث أراد دوماً توجيه الجيش المصري إلى الثأر من الحلفاء هازمي جيش العثمانيين في الحرب الأولى، والالتحاق بألمانيا، حليفة العثمانيين في الحرب الأولى.

في هروبه كان بصحبته عبد المنعم عبد الرؤوف، أحد عناصر جماعة فلول العثمانيين (الإخوان المسلمين)، وفي الوقت نفسه عضو تنظيم الضباط الأحرار وعضو مجلس قيادة الثورة لاحقاً. عزيز المصري باشا كان حلقة الوصل بين التنظيمين.
صحيح أن الضباط الأحرار بعد إزاحة الإخوان لم يتبنوا فكرة الخلافة الإسلامية بنفس الطريقة التي أرادها فلول العثمانيين، ولا الخلافة العربية التي راودت ملك مصر، لكنهم تبنوا جوهرها بعد تحويره إلى اسم أكثر عصرية هو القومية العربية.

رغم معايشتهم الفترة التي عبّر فيها سياسيون رواد في مصر والسعودية عن فهمهم الصارم لفكرة الدولة الوطنية الملتزمة بحدودها، لم يبنوا على هذا الإرث. بل روّجوا للفكرة الأممية، مع بعض التعديل. وأدعي أنهم تسببوا في ضرر بالغ بالحفاظ على جوهر الفكرة التوسعية، المتعدية للحدود الوطنية، إلى جوار دعاية الإسلامجية الصريحة لها. هذه الفكرة طاردتنا في خمسينات القرن الماضي وستيناته، وفي حرب لبنان الأهلية، وفي مغامرات العراق، وعادت الآن لتطاردنا بأطماع تركية وفارسية تدخل من المدخل ذاته، لتقضي على ما تبقى. من المهم أحياناً محاولة تحليل التاريخ إلى عناصره الأولية البسيطة. هذه مهارة يحبها أهل الرياضيات والفيزياء. وهي مهارة مفيدة في السياسة لأنها تخلّص أحداث التاريخ من شوائبها، وتصل بك إلى نقاط تشغيل جوهرية.
الآن في 2020 لا نزال نرى أن خروج رجل دين لكي يدعو إلى الخلافة مجرد «تعبير عن الرأي». لا نزال نعتقد أنه يستحق فضلاً عن ذلك أن نقتطع له من المال العام لكي ننفق عليه. هذا في رأيي استهتار بمصائرنا وعدم إدراك لحجم الضرر الذي ألحقته بنا هذه الفكرة... أنت تغذّي دعاية خصمك وتطعم دعايته وتقوّيه على نفسك. وكله على حسابك.
هل هذه معادلة يتقبلها عاقل؟!

*نقلاً عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة