عاجل

البث المباشر

عولمة القبيلة للمزيد

أَطل أحد رموز الإسلام السياسي قبل فترة في مقال متحدثاً عن الدور البارز للقبيلة في الحياة العامة وعدم قدرة المجتمعات المدنية على تقليص دورها. ليخلص إلى أن النزعة القبلية ممتنعة أمام محاولات اجتثاثها، وأنه لا بد من ترشيدها وتوظيفها من خلال العمل الاجتماعي والثقافي والخيري بعيداً عن «السياسة»، من خلال ربط القبيلة الواسعة الانتشار في تلك البلدان برباط قبلي، واشتراط عدم تناول الشأن السياسي، وأن القبيلة ليست شراً.حسناً.. القبيلة ليست شراً ومن قال إن أشكال التنظيمات الاجتماعية هي شر؟ والقبيلة هي تجمُّع لجماعة من أصل واحد وتنتمي لجدٍّ واحد وتتحدث نفس اللغة وتعيش في ذات المكان وتخضع لعادات وتقاليد خاصة بها وإلى التراتبية وإلى سلطة شيخها. والقبلية شكل من أشكال التنظيمات الاجتماعية التي برزت مبكرة في التاريخ البشري في حِقبِ ما قبل الدولة العصرية التي من شروط قيامها تفكك النظام القبلي، حيث لا إمكان لقيام الدولة العصرية على قيم الحداثة والحرية والديموقراطية في ظل المنظومات الاجتماعية والقيم السياسية القبلية التي تشكل العوائق أمام الدولة المدنية وقيمها. الاجتماع الإنساني تطّور وترقى من الأخص إلى الأعم ومن أشكال التنظيم البدائي إلى الدولة الحديثة ببنيتها ومؤسساتها ودستورها. وكلما انتقل الانسان إلى الأعم في فكره وسلوكه كان أكثر معقولية وانفتاحاً وأكثر انصياعاً للأخلاق العامة التي تؤمّن المصالح العامة وهذا بدوره لا يُغفِل الخاص والشخصي ومصالحه أيضا. لذلك فإن الممارسات والتنظيمات القبلية هي أحد معوقات قيام الدولة الحديثة وتقويض لأسس قيامها. ولكن.. سؤالنا في خضم هذا: ما الذي أخذ شخصية سياسية وازنة في الشأن السياسي إن على صعيد العمل النيابي أو بصفتها رمزا من الرموز القيادية لأكبر تشكيل سياسي إسلامي في البلاد إلى قيادة تجمّع قِبلي؟ أليس سؤالا مستحقا حول مقاصد هذا الجهد وهذا النشاط؟ في مقالته يقول إن هذا التجمع هو محضُ تجمّع اجتماعي وثقافي وخيري. والسؤال: كيف يمكن فصل الاجتماعي والثقافي والخيري عن السياسي؟ هل حقا بإمكان ذلك؟ وكيف يكون هذا الاستثمار لرابطة قبلية تغطي هذه المساحة أن يكون بعيدا عن الاستثمار السياسي من قبل جماعة سياسية أو بحسن الظن شخصيات سياسية ناشطة في مجال الدعوة إلى إقامة الدولة الدينية؟ ومنذ متى لا يستثمر الإسلام السياسي في العمل الخيري وفي العمل الاجتماعي والثقافي والدعوي؟ بل ربما هم أكثر قدرة من كل القوى السياسية الأخرى على هكذا استثمار سياسي عابر للدول، والشواهد كثيرة للدلالة على صدق هذا الزعم وأكثر من أن تُعد وتحصى. فلا فصل أبدا بين الديني الذي يشتمل بنظرهم على جميع شؤون البشر وجميع وجوه النشاط الإنساني في الخاص كما في العام. ولطالما ارتبطت بدايات أنشطتهم بالاجتماعي والثقافي والدعوي لتنتهي إلى السياسي وحصد جموع من الأتباع والمناصرين والمؤيدين. بالعموم لا يمكن اعتبار الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية إلّا وتَصب في خانة النشاط السياسي، ولكن.. أن تتستّر القوى السياسية تحت عناوين العمل الاجتماعي والثقافي والخيري وأنها لا تبغي من وراء كل ذلك أي مصالح في السياسة، يشبه إلى درجة كبيرة ما تقوله كثير من جمعيات النفع العام التي منصوص نظامها أنها جمعيات لا تبغي الربح، غير أنها تجني الثروات التي تتوزع على القائمين عليها تحت ستار العمل الاجتماعي والخيري. فكيف برابطة يترأسها سياسي، سواء أكان فردا أو جماعة، وتنتشر على بقاع واسعة وتضم أعدادا كبيرة تحت عنوان قبلي ولا يجمعها أفق سياسي؟ ان العمل السياسي من خلال بنى قبَليّة لا يتوافق مع متطلبات بناء الدولة الحديثة: دولة الوطن والمواطن، دولة المساواة بين الأطياف، والمكونات سواء بسواء دون النظر إلى اللون والدين والطائفة. Volume 0% نرى أنه استثمار سياسي في الدين وفي القبيلة أيضا، ولكن على نطاق يبدو أنه معوْلم.

*نقلاً عن "القبس"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات