عاجل

البث المباشر

أبو فادي ... تَكَرْوَنَ على قلب الأُسرة!

في فجر صباح الأحد الماضي رنَّ جرس التلفون ببيت أبو فادي وكانت المعلمة صاحبة المطعم الذي يعمل به على الخط:
- أبو فادي ابق بالبيت! فالجائحة كَروَنَتْنا جميعاً، وانحبست طلبات الزبائن، فما العمل؟! وقعت بنا بلوة أجارك الله!
- شو يعني أبقى بالبيت، لك شو بدّي أعمل هون؟!
- ساعد زوجتك في شؤون البيت، أطبخ لها، أغسل الملابس، قم باحتياجات المعيشة، سِر وتسوّق لها وكن أمينا على نظافة البيت ورعاية أولادك يا زلمي!
- لك شو هل الحكي يا ست، اتجننت إنتي، عايزاني أقعد بالبيت واشتغل كمريرة، ولا شو؟ اسمعيني بس من فضلك، أنا بدّي أجي وأنظف المطبخ وأحضر الأغراض بالمخزن. لا، مش حأقعد بالبيت!
أبو فادي طباخ ماهر، قصير القامة، فاخر البدن، ممتلئ إلى حد الاكتناز، مدخن لسجائر الغلواز الزرقاء الفرنسيّة وبشراهة، لا يفتأ أن يطفئ سيجارة وإلا كانت التالية بيده الأخرى، مرح، صاحب نكتة، عالي الصوت ضخمه، لا يعمل واقفا أبدا، يفترش الأرض مقتعدا جالسا القرفصاء، يعجن ويعطن ويُسمّن ويُقنِّن كيفما راق له، يترنم بين هذا وذاك بالطقاطيق الحلبية البديعة (طالعة من بيت أبوها ... داخلة لبيت الجيران ... لابسة الأحمر والأزرق ... والخدود متل النيران!). عرفه الكل بمهاراته الفائقة في عمل المناسف، المشاوي، وجبات المقبلات المزدانة بخلطات توابل، لا شرقية ولا غربية، يُفجرّ عليها من زينة الرمّان بلونه الخمريّ البوردو الغامق لتخرج الصحون في ثوب عروس بليلة زفافها. ومن أروع ما يعشقه أحبابه عندما يأتون إليه الفلافل: ففلافل أبو فادي خرافيّة، نديّة، عبقة، سلسة، خضراء سندسيّة بكل ما تحمل هذه الأقراص من توابل.
- يا أبو فادي، يا أبو فادي حبيبي، لك بقول لك سكّرنا المحل، وزوجي أبو محمد بقول لك استهدى بالله. أحلى أبو فادي!
كانوا يحسبون لأبو فادي كل حساب، خاصة أبو محمد، لأنه عليم كل العلم بغضب الرجل وحالاته الهستيرية المتتالية بالمطبخ سواء مع العمال أو مع أصحاب المحل، كلاهما على حد سواء، وفي بعض الأحيان حتّى مع الزبائن. كانوا على أتمّ يقين أن هذا الحَمَل الوديع أو قُل الثور المُروّض قادر دون أدنى شك على أن ينقلب عليهم في لمح البصر إلى شيطان مارد وقبل أن ترتد إليهم أطرافهم.
على أيّة حال استسلم أبو فادي لقضاء الله الكورونيّ وسكّر سماعة الهاتف بغضب واحتراق حتى ارتجت أرجاء الصالون بشدة، دون أن ينبس أو يقول كعادته: بتريدي شي (صمت)!
نادى بصوته الجهور أم محمد زوجته ممتعضا:
- مصيبة وقعت على رأسنا يا ست، لَكْ أكلنا كوسة وشربنا خسّ، هدولي الناس ما بدهم أشتغل معهم بنوب! بقولوا سكروا المحل، وعايزني أحلّ عن وجههم!
لم تر أم فادي زوجها بهذه الحال منذ أمدٍ طويل، فضلا عن جهلها - مع مرور الزمن وتقدم العمر - له ولصفاته الفظة طوال السنين الماضية، ربما أنساها إيّاها الزمن، لا سيما مع الروتين اليوميّ وتربية الأطفال، فكان كعادته يخرج من الصبح ويأتي في الهزيع الأخير من الليالي والكل بطبيعة الحال في سبات عميق ثلاثتهم وقط باسط ذراعيه بالوسيط. كانت في غيابه تحسّ بأنها سيدة البيت، بلقيس على عرشه، جوكندا على متحفه، وأنها تمتلك زمام الأمور، أو قل إنها أذعنت لهذه الفكرة لتزعم في قرارة نفسها، أنها وحدها ولا أحد غير، الآمر والناهي. فكانت تقوم بكل أمور الأسرة التي قصمت ظهرها من بعيد أو قريب، تصارع وتجابد في شظف العيش إذ تشتد عليها، يوما تلو الآخر، وطأة أحوال المعيشة المضنية، بيد أنها قنوعة كل القناعة بالقليل من المال الذي يجود به زوجها لتسيير أمور البيت؛ فقد عرفته بخيلا يقبض يديه في عنقه ولا يبسطها البتّة، تماما كَجُحا. وازداد مع مرور الأيام "الطين بلّة": فمع التَكَرون والتكعبر والتجَوحر وانتشار الجائحة انقلب حال الأسرة إلى لظى أو فما تحتها.
تخيلوا معي يا سادتي هذا الرجل، أبو فادي، دون عمل قابع بالبيت كطحالب الغابة، وتخيلوا من جهة أخرى حياة أم فادي معه وهو متربع على عرش الصالون، جالسا طول اليوم كالباشا ببيجامة النوم!
مع مرور الأيام تَكرونت وتقوقعت حياة الأسرة منذ ذاك الصباح، فصارت أم فادي، تركض بين الصفا والمروة بين متطلبات أبو فادي التي لا تنتهي وبين بنتها المعوّقة والتي انتابتها نوبات حمى شديدة طيلة هذه الفترة.
جلل صوت المعلم أبو فادي في أرجاء البيت صائحا غاضبا:
- أم فادي شو ها الأكل، لك قولي لي، أمّك ما علمتك كيف تطبخي؟! شيلي الصينية وحلِّي عن وجهي!
- يا عيب الشوم يا أبو فادي، ما لو الأكل، والله باركة من الصبح عم أسوّي كل الوجبات من الصبح لغاية بالليل، ما تركت لك ما سويته: صفائح، تبولة ومحشي ومشاوي وحمص بالطحينة والخبز عاملته بأيديّ، ورب البيت. شو أعمل يا رجال، هلكتني! (صمت)
ركل أبو فادي بعدها إبريق الشاي والكاسات من على الطاولة وقام دون اكتراث يبحث عن "الريموت" لمشاهدة التلفاز بينما همّت أم فادي تهدئ الأجواء احتسابا واحتراسا ألا تقع طامة أخرى. حملت الكاسات وإبريق الشاي إلى المطبخ وذهبت بعدها تراجع أمور ابنتها المريضة. وجدتها نائمة وحمدت الله! دخلت وقتذاك غرفة النوم وأطلقت العنان لبكاء صامت دفين بكل خشوع وابتهال. تضرعت إلى الله أن ينهي هذا الكابوس الذي تكرون قابعا على قلب الأسرة، سألت بدموع جوفها المحترق ربّ البيت أن يغير حال زوجها وأن يهديه إلى سبيل الرشاد.
قصة أبو فادي نجدها هذه الأيّام في كل بيوت العالم، في الشرق الأوسط والشرق الأدنى وحتى في بلاد الغرب. فكارثة كورونا غيّرت معالم الأسر وقلبت موازينها رأسا على عقب. فعلماء النفس الألمان يقولون إنه أكبر تحدٍّ يحصل للبشرية بعد الحربين العالميتين اللتين قضتا بالقنابل، مجازا أو حقيقة، على أخضر العمارة بالنفوس وبالمدن على حد سواء. هذه الكارثة ستغير حتما معالم الأسر بالعالم أجمع وتفضح ما يدور في بدواخلها، من اصطدام واحتدام وصراع بين الزوج والزوجة، بين الإخوة والأخوات، بين الأبناء والوالدين وهلم جرّا. فعلينا أن نرفق أولا بالأمهات، اللائي يعملن طيلة حياتهم في صمت ونكران ذات وأن نشد من أزرهنّ، نصاحبهنّ، نودهنَّ، نمسح دموعهنَّ، فهنّ اللائي يحمين المجتمع من كل الكوارث، لأن الأم، نعم حواء، هي العمود الفقري للعالم في زمن كورونا وفي كل الأزمنة.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات