عاجل

البث المباشر

ضياء الدين سعيد بامخرمة

<p>سفير جيبوتي لدى السعودية</p>

سفير جيبوتي لدى السعودية

الأسباب الحيوية لتكامل دول البحر الأحمر وخليج عدن

مؤخراً استكملت جمهورية جيبوتي الإجراءات النظامية اللازمة للمصادقة على ميثاق تأسيس ‎مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، الذي وُقع في الرياض يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2020، من قبل وزراء خارجية دول كل من: جيبوتي والسعودية ومصر واليمن والصومال والسودان والأردن وإريتريا.
وبالنظر إلى المراحل التي مرت بها فكرة تأسيس كيان يجمع دول البحر الأحمر، فإن المملكة العربية السعودية الشقيقة تعد صاحبة السبق في هذا المجال؛ إذ يعد ميثاق جدة الموقع في 21 أبريل (نيسان) 1956 بين المملكة العربية السعودية ومصر والمملكة اليمنية المتوكلية، أول دعوة إلى إقامة «نظام أمني مشترك» في البحر الأحمر. وفي عام 1977، دعت السعودية والسودان واليمن الشمالي إلى القيام بآلية تعاون عسكري عربي في تحالف ثلاثي لجعل منطقة البحر الأحمر «منطقة سلام».
ومن جانبها، اضطلعت جمهورية جيبوتي بدور مهم في حماية الأمن الدولي في البحر الأحمر، بحكم إطلالتها على مضيق باب المندب ذي الأهمية الاستراتيجية الاقتصادية والسياسية الكبيرة، ما جعلها دولة محورية في الجهود المبذولة للحفاظ على الأمن والاستقرار الدوليين من خلال التنسيق والتعاون مع القوى الكبرى لحماية الملاحة البحرية ومكافحة الإرهاب ومواجهة التحديات الأمنية التي تؤرق المنطقة والعالم بأسره. والقواعد العسكرية الدولية التي وجدت أخيراً في جيبوتي موجهة في المقام الأول لمكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية في هذا الموقع الاستراتيجي المهم من العالم.
وبالنسبة إلى بذور المجلس الجديد، فقد بادرت المملكة العربية السعودية بفضل بُعد نظر قيادتها بالدعوة إلى إنشاء كيان يجمع الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر ويعزز الأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما استجابت له الدول المعنية بحضور الاجتماع الأول لوزراء خارجية تلك الدول الذي انعقد في الرياض في 12 ديسمبر (كانون الأول) 2018، والذى خلص إلى إنشاء كيان يضم الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، يستهدف التنسيق والتعاون بينها، ودراسة السبل الكفيلة بتحقيق ذلك في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية. وكانت جمهورية جيبوتي اقترحت مبكراً أن يكون مقر هذا الكيان في الرياض وبقيادة المملكة العربية السعودية، للأسباب التالية:
- كان للمملكة العربية السعودية قصب السبق في مبادراتها بفكرة نظام أمن البحر الأحمر منذ عام 1956.
- تتمتع المملكة بعلاقات قوية ومستديمة مع كل الدول المطلة على البحر الأحمر عربية كانت أم أفريقية، وهي تنفرد بحظوة وقبول منقطع النظير في كل الدول.
- للمملكة إمكانات هائلة للقيام بدبلوماسية مكوكية بين الدول المعنية، فضلاً عن إرثها الدبلوماسي العريق، وسياستها الخارجية المتزنة، ما يمكنها من الاضطلاع بدور ريادي مؤثر لاستقطاب الدول الأخرى.
- يعد الساحل السعودي الذي يطل على البحر الأحمر، هو الأطول من بين الدول الأخرى المشاطئة؛ ومن هنا فهو أكثر عرضة لمخاطر ما يجري على طول البحر الأحمر.
ويتضح مما سبق أن إيجاد كيان يجمع الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن ظل هاجساً يؤرق الدول المعنية؛ خصوصاً جمهورية جيبوتي والمملكة العربية السعودية، وذلك لما تتمتع به هذه المنطقة البحرية من أهمية استراتيجية تلقي بظلالها على مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والبيئية؛ وهذا يعكس مدى التناغم والتوافق في الرؤى والتطلعات بين قيادتي البلدين الشقيقين: رئيس جمهورية جيبوتي إسماعيل عمر جيله، وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حفظهم الله جميعاً.
وقد تابع الرئيس إسماعيل عمر جيله بنفسه، وبكل حرص واهتمام، تطورات ملف إنشاء هذا الكيان الإقليمي المهم منذ بدء المناقشات بشأنه، إيماناً بأهميته وآثاره الإيجابية في مختلف الجوانب التنموية والاقتصادية والسياسية في المنطقة.
كما لا يفوتني أن أشيد بالجهود الشخصية التي بذلها الأمير محمد بن سلمان في سبيل إنشاء المجلس من خلال تواصله المباشر مع قيادات الدول المعنية، مما تمّ تتويجه بتوقيع ميثاق تأسيس المجلس في السادس من يناير الماضي استشعاراً من قيادات الدول الثماني الأعضاء لأهمية التنسيق والتشاور حول الممر المائي الحيوي الذي يمثل أهمية اقتصادية وتجارية واستثمارية للاقتصاد العالمي بأكمله، باعتبار البحر الأحمر المعبر الرئيسي للتجارة العالمية بين دول شرق آسيا وأوروبا.
وفي الختام، وكما أكدت في أكثر من مناسبة، فإن قيادات وشعوب تلك الدول تعلق على إنشاء هذا المجلس الطموح آمالاً عظيمة في الاستقرار والتنمية والتعاون الاقتصادي والسياسي المثمر، ولا شك في أن التكامل بين دول البحر الأحمر وخليج عدن اقتصادياً وأمنياً يعود بالمصلحة على شعوب هذه المنطقة، ويغلق الباب أمام أي تجاذبات إقليمية أو دولية تؤثر على روح التضامن والتكامل التي يجب أن تكون سائدة بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، مع الحفاظ على الأهمية العالمية للبحر الأحمر بصفته ممراً دولياً يستفيد منه الجميع، ما يعني أن هذا المجلس لن يؤثر في عالميته بل يعززها من خلال التعاون والتنسيق مع مختلف الدول الأخرى وكذلك مع المنظمات الإقليمية والدولية.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات