عاجل

البث المباشر

د.إبراهيم النحاس

<p>كاتب ومحلل سياسي</p>

كاتب ومحلل سياسي

ظاهرة عربية.. لماذا يخون البعض أوطانهم؟!

تساؤل يدعو إلى تساؤلات مُضادة ومنها: هل هي بالفعل ظاهرة عربية؛ وإذا كانت كذلك، هل تقتصر على العرب دون غيرهم؟ بدايةً من المهم التوضيح أن استخدام كلمة ظاهرة -للتعبير عن خيانة البعض- فرضتها حالة المجتمع والوطن العربي الذي عانى كثيراً من حالات الخيانة من داخله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وازدادت هذه الحالة اتساعاً خلال العقدين الأخيرين، لتصبح خلال العقد الأخير ظاهرة -تبدو طبيعية- يتبناها الخونة من أصحاب الأهواء كالمرتزقة والعملاء، ويدافع عنهم المنتفعون من الجماعات الإرهابية والأنظمة السياسية المتطرفة والدول المعادية. ولعل اتساع هذه الظاهرة واستمراريتها خلال العقود الماضية، مع ازدياد أعداد الخونة في الوطن العربي، جعل منها ظاهرة عربية أكثر من أن تكون ظاهرة غير عربية أو ظاهرة بمسميات أخرى.

وبعيداً عن استرجاع الماضي والحديث عن ظاهرة الخيانة التي كلفت العرب والوطن العربي الكثير من المآسي والهزائم والويلات، فإنه من الواجب الحديث عن هذه الظاهرة في وقتنا الحاضر للتحذير من خطورتها، ولفضح أصحابها الذين يعيشون بيننا، ويتكلمون لغتنا، ويعرفون مصادر قوتنا ومواطن ضعفنا. نعم، خطر ظاهرة الخيانة في الوطن العربي في وقتنا الحاضر أصبح كبيراً جداً لا يمكن السكوت عنه، أو التغافل عن تواجد أصحابه، وإلا ستكون العواقب أكبر بكثير من هزائم عسكرية، أو من احتلال جزء من أراضٍ عربية، أو من تسخير مقدرات عربية عزيزة لخدمة مصالح جماعات ودول معادية.

واقعنا العربي منذ الفوضى السياسية والأمنية التي حدثت في بعض الدول العربية العام 2011م كشف عن الكثير من الحقائق والمؤامرات والخيانات التي كانت مخفية وغير معلومة، وأعطانا الكثير من العبر والدروس والفوائد التي يجب أن نتفكر فيها لنعالج واقعنا ونخطط بشكل أفضل لمستقبلنا ومستقبل أوطاننا. عشر سنوات منذ عام الفوضى السياسية والأمنية فضحت الكثير من أصحاب الأهواء والمرتزقة والعملاء، ومن دعاة الفتن والضلال وأصحاب الفكر المنحرف، ومن أتباع الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية والدول المعادية، ومن أولئك الوضيعين المستنجدين بالدول الأجنبية من المستغلين للظروف الداخلية ولحالة الوهن العربية لتحقيق أجندتهم الهدامة التي غايتها إسقاط النظم السياسية العربية وتفتيت المجتمعات المستقرة.

وإذا كان عام الفوضى جعل الخونة وأعداء الوطن يظهرون على السطح، فإن تعدد الوسائل الإعلامية واتساع استخدام وانتشار وسائل التواصل الاجتماعية فضحت مخططاتهم وأظهرت نواياهم وكشفت تبعيتهم الفكرية وولاءتهم السياسية. لقد كانت ظنونهم وتوقعاتهم وأمنياتهم عالية جداً، فأبدوا ما يبطنون وأظهروا ما تخفي صدورهم؛ ولكن الواقع خالف ظنونهم وعاكس توقعاتهم وخيب أمنياتهم، فعادوا من جديد لإخفاء نواياهم الهدامة ومارسوا تقيتهم المعهودة انتظاراً لمستقبل قد تتحقق فيه أمنياتهم وظنونهم. ومع عودتهم هذه، عاد هؤلاء الخونة من جديد ليحدثوا العامة عن أهمية التغاضي عن الأقوال والافعال المُعادية التي قاموا بها، ودعوا لإحسان الظن حول أحاديثهم وكتاباتهم التي تطعن في الوطن ووحدته، وتسيء لقادته ورموزه، وتستهزئ بعاداته وتقاليده، وتقلل من منجزاته وإنجازاته، وتستحقر قيمة مواطنيه الأوفياء؛ وحدثوا عامة الناس عن أهمية التجاوز عن أخطائهم الجسيمة التي ارتكبوها في حق وطنهم ومجتمعهم، ومنها دعمهم وإعجابهم بأعداء وطنهم ومجتمعهم. ومع وضوح ذلك كله يبقى السؤال: لماذا يخون البعض أوطانهم؟!

قد تكون هناك إجابات متعددة منها: أن حالة الاستعمار التي مرت بها بعض المجتمعات العربية خلفت وراءها أتباعاً ومرتزقة وعملاء جعلت من ولاءاتهم خارجية؛ أو أن حالة الضعف الفكري الذي تعيشه المجتمعات العربية جعلت البعض يتأثر بالأفكار والإيديولوجيات الأجنبية التي أثرت بتوجهاتهم وقادت ولاءاتهم السياسية ليكونوا تبعاً للخارج، أو أن حالة الوهن في بعض المجتمعات العربية جعلت البعض يتطلع لنماذج خارجية أكثر تقدماً وتطوراً مما أثر بولاءاتهم السياسية ليكونوا تبعاً للخارج، أو أن حالة الانقسام السياسي والمذهبي والاجتماعي جعلت البعض يتطلع للدعم الخارجي بهدف الحصول على مزيد من المكاسب في الداخل مما قادهم لتكون ولاءاتهم للخارج. وقد تكون هناك أسباب ومسببات أخرى، ولكن يبدو أن كل تلك الأسباب ليس من بينها السبب الرئيس والأهم لظاهرة الخيانة في الوطن العربي لأنه في كل تلك الأسباب يسهل انكشاف أصحابها، ويقل عدد أتباعها، وتختفي مع الزمن باختفاء تلك النماذج التي تؤثر في التوجه والولاء.

ومع أهمية ووجاهة البحث في تلك الأسباب، فإنه يبدو أن السبب الرئيس والأهم لظاهرة الخيانة لدى بعض العرب يتمثل في تساهل الأنظمة السياسية أمنياً مع أصحاب التوجهات الفكرية المنحرفة والمُضللة، وتقريبها لذوي الطروحات الأيديولوجية الاقصائية، وتصدير الجهلاء من أصحاب الخطابات العاطفية والشعارات الدينية للعامة، والصمت عن دعاة الإعجاب بالنماذج والقيادات الأجنبية المعادية، وتسخير وسائل إعلامها لظهور السطحيين من المتلبسين بلباس الدين، حتى أصبح هؤلاء جميعهم يشعرون أنهم أهم فئة من فئات المجتمع، وأنهم سبب بقاء واستقرار النظام السياسي، وبأنهم أهل للسلطة وأولى من غيرهم. ولأنهم آمنوا بكل ذلك وبأنهم الأفضل، أصبحوا يتطلعون للوصول للسلطة بأي طريقة وشكل، ومنها الاستعانة بالخارج في خيانة مباشرة للوطن والمجتمع.

وفي الختام من الأهمية القول إن القضاء على ظاهرة الخيانة في الوطن العربي يتطلب عملاً جباراً من الأنظمة السياسية يبدأ من الاعتراف بوجودها، وينتهي بمعالجة الأسباب المؤدية لوجودها كظاهرة في الوطن العربي دون غيره من مجتمعات؛ وكل ذلك سهل وممكن إن تمت الاستعانة حقيقةً بأصحاب التخصصات العلمية والفكر البناء والخبرة العملية كل في مجاله، وهم كثر على امتداد الوطن العربي. فالخيانة سلوك خطير جداً يفتت المجتمع ويزعزع الاستقرار وكل ذلك قد يبدأ بكلمة، أو نشر إشاعة مُضللة، أو تسريب معلومة سياسية أو أمنية، أو إخفاء حقائق ومعلومات عن الجهات الرسمية، أو التقليل من شأن الوطن ومنجزاته ومكانته، أو الإساءة لرموز المجتمع والوطن، أو تسويق لنماذج معادية، أو تعاطف مع الجماعات والأنظمة والدول المعادية، أو تعاون مع جهات تستهدف وحدة المجتمع واستقرار الوطن.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة