عاجل

البث المباشر

فى شأن التخصص الإقليمى


خلال قرن من الزمان وقعت دول العالم فى فخين ثبت فيهما أن البشرية لم تحسن الاختيار، أو أن المبالغة فى القرار الذى اتخذته كانت لها نتائج سلبية تفرض المراجعة.

الأقرب منهما زمنيا لوقتنا هو «العولمة» حيث كانت كل الطرق تؤدى إلى علاقات كونية تشمل الكرة الأرضية كلها، وكانت من الشمول والانتشار الذى بدأت تأخذ فيه صبغة دينية حيث بات الخروج عليها نوعا من الكفر المبين. ما هو أبعد فى الزمن، وما صار إليه الحنين مؤخرا، فهو الدولة القومية التى تكتفى ذاتيا بنفسها، وتقيم الأسوار والحماية التجارية على أسواقها.

وبقدر ما كان لهذا الخيار الأخير من مثالب ضيق الأسواق وضعف المنافسة وارتفاع التكلفة، وما أدى إليه من منافسات خشنة تسببت فى حرب عالمية ثانية؛ فإن الخيار الأول ظهرت تكلفته العالية مع أزمة الكورونا التى صارت بلاء شديدا كشف أن ما كان إطارا لكل شعوب الأرض كان فى حقيقته نوعا من المزايا الكبيرة التى انتزعتها الدول المتقدمة؛ ونجحت الصين فى الحصول على مكانة الدولة المفصلية فى النظام العالمى كله بما آل إليها من مركزية فى سلاسل الإمدادات الخاصة بصناعات لا أول لها ولا آخر.

كانت هناك دول أخرى حاولت الحصول على بعض من الكعكة العالمية معظمها فى آسيا شرقا وجنوبا؛ وما بقى لبقية شعوب الأرض الأقل جهدا وعافية لم يزد كثيرا على الفتات أو ما يكفى فقط للبقاء والاستمرار.

ما بين الدولة القومية والعولمة كانت هناك حلقة «الإقليم» الذى يضم مجموعة من الدول المتجاورة جغرافيا، والتى تتقاسم فيما بينها تاريخا مشتركا، وثقافة متناغمة، كان فيها المشاركة فى السلام كما كان فيها تكلفة الحرب. أوروبا كانت المثال التاريخى على ذلك، ورحلتها منذ إنشاء الجماعة الأوروبية حتى وصلت إلى الاتحاد الأوروبى.

هذه هى الأخرى تعرضت لهزة كبيرة مع الخروج البريطانى من الاتحاد، وعودة التهديد الروسى إلى القارة العجوز لكى يرث عداوات قديمة مع ما كان معروفا بالاتحاد السوفيتى. ولم يكن التهديد للإقليم قادما فقط من الشرق، ولكن الدولة الأمريكية فى الغرب والتى كانت ضمانة للإقليم فى حربين عالميتين، فإنها نفضت أيديها من القارة، فانكشفت دولها على واقع صعب.

ومع ذلك فربما كانت «البريكيست» علامة صحة لأن بريطانيا الجزيرة لم تتخلص مما تصورته طبيعة عالمية فيها أعطتها مائة عام من الهيمنة العالمية، وخصوصية أنجلو سكسونية تعطيها الحق لإقامة عالمها الخاص عبر المحيط الأطلنطى مع الولايات المتحدة وكندا، وعبر نصف الكرة الأرضية إلى أستراليا ونيوزيلاندا فى المحيط الباسفيك. أصداء السيرة الأوروبية وجدت لها صدى فى مناطق أخرى من العالم تشكلت من الدول التى حاولت توسيع أسواقها إلى عدد كبير من المستهلكين، واكبه أشكال كثيرة من التخصص الإنتاجى الذى يسمح بالتكامل والتبادل فى البضائع والسلع والخدمات. وقبل عقود وبعد عشاء على جبل لبنان قال د. سعد الدين إبراهيم مادحا فى الطعام ومن استضافونا إليه، إنه لو قامت الوحدة العربية يوما فإن لبنان سوف يكون متخصصا فى البنوك وصناعة الضيافة من فندقة وطعام ومطاعم. كان ذلك قبل ظهور حزب الله، والحراك اللبنانى المتعدد المراحل، وانهيار الليرة اللبنانية، والحرب الأهلية بالطبع. وعندما بدا فى يوم من الأيام أن شركة موانئ دبى فى سبيلها إلى دخول السوق الأمريكية منافسة فى ذلك شركات أمريكية؛ فإن دولة الإمارات بدت مؤهلة لهذا التخصص بين العرب. صحيح أن الأمر واجه عقبات كثيرة فى الولايات المتحدة، ولكن الشركة ما لبث أن حصلت على امتياز الكثير من الموانئ العالمية، ونجحت شركات طيرانها فى غزو سوق الطيران داخل الولايات المتحدة. ومؤخرا، فى الأسبوع الماضى، نجحت الإمارات فى إرسال «مسبار» إلى كوكب المريخ مشاركة فى ذلك الولايات المتحدة والصين فى التطلع خارج مدار الكرة الأرضية. أصبحت الإمارات مؤهلة لكى تتخصص فى مجال الخدمات والصناعات المتقدمة، بما طورته فى مجالات الطاقة الشمسية، وإدارة شركات عالمية مركبة من جنسيات متعددة.

كان السؤال الذى يلح علينا دائما هو ما الذى يمكن أن تتخصص فيه مصر ويعطيها قدرات تنافسية سواء كان ذلك فى إقليمها، أو حتى فى العالم إذا ما اتجه البندول مرة أخرى إلى هذا الاتجاه. وكثيرا ما كان هذا السؤال مطروحا فى حواراتنا الداخلية فى مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، وكانت هناك وجهة نظر أنه مهما جرى التقدم فى العالم فإنه سوف يظل دوما فى حاجة إلى مواد البناء والأسمنت والحديد والصلب، أو باختصار منتجات الثورة الصناعية الثانية، كثيفة العمالة وعالية الاستهلاك للطاقة والتى تليق ببلد يزيد سكانه بصورة مستمرة. وجهة نظر أخرى دافع عنها بحماس د. محمد السيد سعيد - رحمه الله - وهى أن مصر لم تلحق لا بالثورة الصناعية الأولى ولا تلك الثانية، ومن ثم فإن عليها أن تذهب مباشرة إلى الثورة الصناعية الثالثة القائمة على المعلومات والكمبيوتر. لم نكن نتصور ساعتها أن العمر سوف يطول بنا لكى نشهد الثورة الرابعة التى عرفت تزاوج ثورة المعلومات مع التكنولوجيا الحيوية فى قفزة جديدة للإنسانية. كانت المناظرة بين وجهتى النظر ذات طبيعة نظرية، لأن الواقع كان أن مصر ذات اقتصاد متنوع ومن الممكن لها بحكم موقعها وسكانها أن تعيش فى مراحل تاريخية مختلفة ومتنوعة، وفى كل الأحوال تكون ملتقى كبيرا للمنتجين والمستهلكين معا.

لا أدرى ما إذا كانت هذه النوعية من المناظرات لا تزال جارية داخل المؤسسات الحكومية أو التشريعية أو البحثية أم لا، ولكنها على ضوء وصولنا، والعالم أيضا، إلى منعطف ما بعد الكورونا والذى يشهد عليه الاتجاه العالمى للعودة إلى «المعتاد الجديد» مع قرب التوصل إلى اللقاح الخاص بالمرض؛ فإن مراجعة ما يمكن التخصص فيه وتعميق ما هو موجود منه، يصبح نوعا من الفضل. البنية الأساسية التى جرى بناؤها خلال السنوات الست الماضية تعطينا براحا كبيرا للاختيار القائم على الدراسة ليس فقط لأسواقنا، وإنما للدول التى نريد بناء الإقليم معها. تاريخيا فإن أكثر حديثنا كان عن «النظام الإقليمى العربى»، والكتاب العمدة فيه كان من تأليف د. على الدين هلال وأ. جميل مطر؛ ولكن ربما آن الأوان للاقتراب من سوق إقليمية أقل طموحا وتكون مماثلة لمجموعة الدول الاسكندنافية السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا، أو «البينولوكس» الذى يضم بلجيكا وهولندا ولوكسمبرج، تتكون من مصر وأكثر دول الجوار الجغرافى العربى تفاعلا معها تجاريا وصناعيا وبشريا بالطبع. ساعتها ربما سيكون «التخصص» أكثر وضوحا بالنسبة لنا وللقريبين منا أيضا. تخطيط الحدود البحرية المصرية فى البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط يعطى مؤشرات على نطاق التعاون المصرى الكثيف فى المستقبل القريب.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات