عاجل

البث المباشر

إطلاق سراح الناشطة الألمانية هل يحسّن صورة العراق؟

خلال الساعات الأخيرة من يوم 24 يوليو (تموز) 2020 تضاربت الأنباء حول «تحرير» أو «إطلاق سراح» الناشطة الألمانية هيلا ميفيس التي اُختطفت يوم 20 يوليو بالقرب من مقر سكنها مقابل المنطقة الخضراء في بغداد. لم يكن اختطافها لغزاً، كان إطلاق سراحها هو اللغز. فعمليات الاختطاف لم تتوقف في العراق منذ بدء الاحتلال الأميركي. وبلغت ذروتها في شهور الاحتجاجات الواسعة، وخاصة في ساحة التحرير وسط بغداد. والأمر الشنيع في عمليات الاختطاف كان من نصيب الناشطات العراقيات، سواء في المظاهرات أو في نقاط الطبابة المتنقلة بين المتظاهرين.
من الأمور اللافتة، أن الألمانية هيلا ميفيس كانت وجهاً معروفاً بين المحتجين في «المطعم التركي» الذي اعتصم فيه المتظاهرون، وكانت من الأجانب القلائل الذين شاركوا في تلك المظاهرات والاعتصامات التي استمرت أكثر من ثلاثة أشهر. لم يقل أحد إن هيلا كانت جاسوسة لإسرائيل سوى حزب الدعوة الموالي لإيران بقيادة نوري المالكي في منشور إلكتروني أصدره بعد إطلاق سراحها. وحاول الحزب خلط الأوراق كعادته كلما حدثت أزمة سياسية أو أمنية أو اقتصادية في البلاد، فزعم أنها وصلت إلى مدينة أربيل الكردية في عام 2012 للتجسس لحساب الموساد، وتحريك الأوساط الثقافية ضد حكومة نوري المالكي، وهو أمر لم «يحاسبها» عليه أحد طوال ثماني سنوات هي مدة إقامتها في العراق قبل اختطافها. والأكثر «فذلكة» في منشور حزب الدعوة قوله «إنها راقصة ومغنية شعبية، وقدمت إلى بغداد بلا جواز سفر ولا وثائق رسمية». كيف أقامت في العراق إذن ثماني سنوات، واستأجرت شقة في مكان معروف، وشاركت في أنشطة فنية وثقافية في محافظات البصرة والموصل وواسط؟! وزعم المنشور أنها شاركت في مظاهرات واعتصامات الرمادي وسامراء والموصل لإسقاط نوري المالكي. لكنه لا يقول لنا ما أهمية المالكي لمغنية وناشطة ألمانية!
وما زلنا في المنشور: هذه «الجاسوسة» قدمت طلباً رسمياً إلى حكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق حيدر العبادي لدعم أنشطتها، فوضع تحت تصرفها بيتاً تراثياً عراقياً في شارع السعدون الراقي الذي يتصل بساحة التحرير. وأقامت دورات ثقافية وفنية للشباب والشابات طوال خمس سنوات، وفتحت اتصالات مع مسؤولين في مكاتب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزير الثقافة ودار الفنون الشعبية ودار الموسيقى واتحادات الشباب والناشطين المدنيين والجامعات العراقية. حتى السفراء في العراق غير قادرين على القيام بكل هذا النشاط. على من كانت تتجسس ولحساب من؟ يرد حزب الدعوة، إنها تتجسس لحساب الموساد. هل يحتاج الموساد إلى جواسيس وكل الأبواب مفتوحة أمامه منذ 2003؟
وتتوالى المنشورات الإلكترونية في روايات مختلفة يناقض بعضها بعضاً. كلهم يحاولون «لملمة» فضيحة الاختطاف وأسطوانة «التجسس»، بعد أن تبين أن هيلا ميفيس دخلت البلاد بطريقة شرعية ولديها فيزا متعددة الرحلات، ولها علاقات علنية مع منظمات ناشطة، وهي تتنقل داخل بغداد بدراجة هوائية وليست سيارة دفع رباعي. ويبدو أن جيمس بوند سيلجأ في أفلامه المقبلة إلى الدراجات الهوائية بدلاً من أغرب السيارات، بعد أن انتشرت ظاهرة الدراجات البخارية والهوائية في عمليات القتل.
يتذكر القراء جريمة كبرى حدثت في خريف عام 2012 في منطقة جبال الألب الفرنسية، وضحاياها عائلة بريطانية من أصل عراقي مكونة من الزوج سعد الحلي وزوجته ووالدتها، ونجت ابنتهما السنوات ذات السبع بعد إصابتها بجروح قاسية على يد شخص مجهول حتى اليوم.
ومثل كل القصص البوليسية، فإن الشرطة الفرنسية والشرطة البريطانية حاولتا تشتيت أذهان الناس بآراء متناقضة، وتحويل مسارات التفكير إلى اتجاهات أخرى، وهكذا تم التركيز لفترة طويلة على شقيق سعد الحلي ويقيم في بريطانيا أيضاً، والقول بوجود خلافات مالية تتعلق بإرث مشترك. ومرة يقال إنه عمل في البرنامج النووي العراقي السابق، ثم قيل عن وجود مواد قابلة للانفجار في بيته في لندن بعد تفتيشه، وتم بعد ذلك نفي أن المواد متفجرة. والغريب أنه لا الشرطة الفرنسية ولا البريطانية ركزتا على شخصيتين مهمتين هما راكبا الدراجتين الفرنسي والبريطاني اللذين كانا في مسرح الجريمة، وأحدهما قُتل قرب سيارة الضحايا والآخر كان شاهداً.
هذا فيلم لا يحتاج إلى كاتب لكتابته ولا إلى مخرج لإخراجه؛ فهو فيلم كتب وأخرج نفسه بنفسه. وهناك في المنطقة الخضراء في بغداد من يريد أن يحول الناشطة الألمانية صاحبة الدراجة إلى بطلة فيلم من أفلام الجاسوسية. وفي حالتي هيلا والحلي، القانون يخشى كشف الأسرار. وكذلك الحال في قضية اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري.
قال مخرج أفلام الرعب الراحل الفريد هيتشكوك، إن معظم قصص أفلامه مقتبس عن جرائم حقيقية نُشرت تفاصيلها في الصحف مع تحويرات تقتضيها صناعة السينما. وقبل هيتشكوك كانت الروائية الفرنسية أجاثا كريستي تستوحي قصصها البوليسية من جرائم قرأت عنها أو سمعت بها فصاغتها في قوالب روائية مثيرة تحول بعضها إلى أفلام دخلت تاريخ السينما الكلاسيكية.
ولأن فضيحة اختطاف هيلا ميفيس وإطلاق سراحها وعودتها فوراً إلى ألمانيا أصبحت بجلاجل، فقد تلقت الصحف العراقية المحلية تعليمات لغلق الملف. لكن كل الاغتيالات والانفجارات والاختطافات في العراق الحالي شائكة وغامضة ولا تسجل حتى ضد مجهول مع أن العنوان واضح والكاميرات سجلت ما حدث بالتفصيل. شاهدنا كلنا كيف تم اغتيال الخبير الأمني العراقي هشام الهاشمي، وذهب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بنفسه إلى منزل الضحية ليعزي زوجته وأولاده، مؤكداً أنه مصمم على تقديم الجناة إلى العدالة. وفي كل المرات المشابهة السابقة كان نوري المالكي يقول هذا وحيدر العبادي من بعده ثم عادل عبد المهدي. أسطوانة لا يملّ المسؤولون من تشغيلها كلما تم اغتيال أو اختطاف أحد من النشطاء أو المحتجين. لكن لا شيء يحدث ولا أحد يقول شيئاً. ومع ذلك لا يختلف اثنان في العراق وخارجه على أن إطلاق سراح هيلا ميفيس أمر يبعث على الارتياح لأسباب إنسانية وأخلاقية ودولية. فالعراق في أمسّ الحاجة إلى تحسين صورته في الخارج بعد أن صار العراقيون يخجلون مما يجري على أرضهم.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات