عاجل

البث المباشر

بوابة المسجد الأمويّ.. عبق الشرق بريشة عبقريّ ألمانيّ

في بداياته الفنيّة كان الرسَّام، جوستاف باورنفيند يشك في موهبته الفنيّة، وأن الله لم يهبه إيّاها بالقدر الذي كان ينشده وظل طيلة حياته يعيش هذا الصراع الداخليّ، على الرغم من تفاخر معاصريه به وبأعماله التي كان يشار إليها في كل أنحاء العالم بالبنان، وأنّه رسّام الشرق الأكثر شهرة وعبقريّة دون منازع في أوروبا.

بوابة المسجد الأموي للرسام الألماني غوستاف بورنفيند بوابة المسجد الأموي للرسام الألماني غوستاف بورنفيند

صورة "بوابة المسجد الأمويّ" تتحدث عن نفسها، مرسومة من زيت على قماش في سنة ١٨٩٠. تعكس الصورة مسرحيّة دافئة لألوان الشرق بعبق أهله، مناظره، توابله وعطوره الأخاذة. نجد اللوحة ترجمة ذهبيّة خارقة للعادة لمشاهد واقعية عاشها وعكسها بعبقرية وصدق الفنّان المرهف. نلاحظ أولا الدّقة التصويريّة الفائقة والتدرج الانسيابي للضوء في العمل، وأنها عمودان من أعمدة خلق الإبداع لدى هذا الفنّان، الذي عرف عنه من جهة، مهارته اليدويّة الجبّارة في التصوير والدقّة في التفاصيل، ومن جهة أخرى تواضعه الجمّ – تواضع العلماء، فنال بصفات التواضع الجمّ والواقعيّة والقناعة جلّ التبجيل لدى زملائه الفنانين.

شغفه بالشرق في تلك الحقبة لم يأتِ بمحض الصدفة أو من العدم فقد شُغف الأوربيون بالشرق وقصصه أيما شغف فترجموا ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والمعلقات ودواوين الشعر، وكان لذلك أعظم الأثر في تبلور صورة الشرق المشرقة واقتحامها الأوساط الأكاديمية. أما فيما يتعلق بجوستاف باورنفيند فقد نشأ تشبثه بالشرق في حياته تدريجياً وتطور رويدا رويدا حتى صار ولها وعاشقا له.

رأى مولد هذه العبقريّة النور في قرية سولتز على نهر النيكر (بمقاطعة بادن فورتنبيرغ جنوب ألمانيا) ودرس الهندسة وتأهل حتى صار مهندسا محترفا وجاء حبّه للرسم وعرفه لأول مرّة عندما عمل مهندسا بمكتب المهندس المعماري أدولف غناوت بمدينة شتوتغارت عاصمة مقاطعه الجنوب. ورغم أنه بدأ الرسم في سنّ متأخرة لكن نلاحظ أن دقته في تجسيد المواضيع والدوافع (الموتيڤات) أتت من عدّة جوانب: دراسة الهندسة المعماريّة، الموهبة، الشغف والاحترافيّة وسرعة التعلم والتمرين.

نشرت أولى أعماله بتكليف من دار نشر أنجلهورن بمدينة شتوغارت في عام ١٨٨٠ إلى ١٨٨٢ وكانت لوحات عن مواضيع بمدن ألمانية وإيطالية نشأت خلال رحلاته الكثيرة في تلك المناطق. زار بعدها ببضع سنوات شقيقته إميلي بمدينة بيروت فأحبها ومن ثمّة شرع ينقب في حنايا الشرق، مدنه، أهله، ربوعه وثقافاته دون لأي.

خطط بعد عودته لزيارة الشرق ثانية وكانت هذه المرّة بين عام ١٨٨٤ إلى ١٨٨٧ حيث التقى عشيقته ورفيقة حياته إليز بيرتش بمدينة يافا وتزوجا في عام ١٨٨٩. أثرت هاتان الرحلتان في حياته لدرجة أنه بدأ يزور الشرق مرارا وتكرارا حتى اتخذ قرار حياته القاطع بالانتقال أخيرا إلى فلسطين في عام ١٨٩٦ مع زوجته وابنه وفي عام 1898 بدأ يعيش ويعمل بمدينة القدس، ومنها بدأت رحلاته الاستكشافية للشرق، فزار سوريا لبنان مرّة أخرى وبنى أبطال لوحاته وزخارفه ومضامينها من خلال حرفيته في الهندسة المعماريّة ومن دقة تصويره في استشفاف طبيعة الشرق الخلابة وشعوب المنطقة. جوستاف باروندفيند عبقرية فنيّة دون سابق.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات