عاجل

البث المباشر

عمار علي حسن

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في الشرق الأوسط

مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط في الشرق الأوسط

وهم الحتميات التاريخية.. وشىء عن طبيب الغلابة

ينحاز معتنقو الأيديولوجيات السياسية دومًا إلى حتميات تاريخية، تنتهى بانتصارهم فى خاتمة المطاف، فالشيوعيون اعتقدوا أن ديكتاتورية البروليتاريا ستحكم فى النهاية، وبعض الليبراليين يتصورون أن الرأسمالية والديمقراطية هما «نهاية التاريخ وخاتم البشر»، لكن كلا الاتجاهين لا يؤسس تصوره الخاطئ على معتقد دينى كما تذهب الجماعات والتنظيمات التى توظف الإسلام فى تحصيل السلطة السياسية وحيازة الثروة والمكانة، والتى لا تختلف هنا كثيرًا عن «اليمين المسيحى المتطرف» أو «اليهود الأرثوذكس»، فالجميع يتوهم أن الفوز سيكون من نصيبه فى صراع الحياة المرير، ولم يتعلم هؤلاء درسًا من إطاحة حكم الإخوان فى مصر، وهزيمة القاعدة فى أفغانستان، وداعش فى العراق وسوريا.

وإذا كان من اليسير تفنيد بعض ما يعتنقه أصحاب الأيديولوجيات السياسية الخالصة، فإن نقد ما يذهب إليه من يخلطون الدين بالسياسة أصعب وأكثر تعقيدًا. فهؤلاء يُلبسون تصورهم البشرى ثوبًا مقدسًا، ويصفون ما يدور فى أذهانهم بأنه تعاليم إلهية، وأوامر ربانية، ومن ثم يكون على من يخالفهم الرأى عبء مضاعف، لأنهم سيتهمونه بالكفر أو على الأقل الفسوق والعصيان، وقد يستحل بعضهم دمه، وسيثيرون المجتمع ضده، فى محاولة لإضعافه أو إسكاته.

فما طرحته الشيوعية عن حكم البروليتاريا، وما ذهب إليه ليبراليون بحديثهم عن أن ما وصلت إليه المجتمعات الرأسمالية فى الوقت الراهن هو أرقى نظام اجتماعى وسياسى، ولن يكون بوسع البشر فى أى مكان أن يبدعوا ما هو أفضل منه- لاقى انتقادات لاذعة، ودبجت فى تفنيده آلاف الدراسات، لكن ما تعتقده الجماعات المتطرفة حول عودة الخلافة الإسلامية فى النهاية، بعد مرور التاريخ الإسلامى بمراحل من الملك العضوض والجبريات أعقبت الخلافة الراشدة، يخشى كثيرون من التصدى له نقدًا، لخوفهم من هجوم هؤلاء المسند بآيات قرآنية وأحاديث نبوية، يؤولونها حسب ما تقتضيه مصلحتهم، مع أن نقد هذا التصور، الذى يخالف فكرة الدورات الحضارية المبرهنة تاريخيًا، يبدو مهمًا فى الظرف الراهن، ومع أن هذا الاعتقاد مؤسس على حديث موضوع، نُسب زورًا إلى الرسول الكريم.

فإيمان هؤلاء بحتمية عودة الخلافة ـ رغم أنها نظام حكم أبدعه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأمر به رب العزة سبحانه وتعالى ـ طالما قادهم إلى معارك مريرة، مسلحة تارة وفقهية تارة أخرى، استنفدت على وجهيها جهدًا كبيرًا كان يمكن استخدامه فى تطوير أفكار الحركة الدينية الساعية إلى السلطة والثروة، بما يؤهلها لطرح برامج عصرية للحكم، ويفرض دمجها فى الشرعية السياسية والمشروعية القانونية، وكان أيضًا يمكن استخدامه فى تشخيص داء التخلف المادى والفكرى الذى يعانى منه المسلمون حاليًا، حتى يكون بمقدرتهم وصف الدواء الناجع، الذى يعيد إليهم ولو جزء من قوتهم الحضارية التى غربت منذ قرون، بدلًا من العيش فى كهف التاريخ الذى تختلط حقائقه بكثير من الأوهام والأساطير. فالتاريخ الذى وصل إلينا حافل بالمجاز والاستعارة، مثلما هو واقعنا، وبذا تبدو حياتنا الاجتماعية أشبه بمسرح كبير. وتتسع وترتفع خشبة المسرح كلما انتقلنا إلى مجال الثقافة الشعبية Folk Culture، التى تمتلك قدرة على تجاوز حدود الزمان والمكان، وتزيد الحرية فى إبداعها وتناولها والاستشهاد بها فى الحياة اليومية، وتتعدد مجالات تفسيرها وتأويلها بما يساعد على ما يجرى، حيث إن «الأحداث التى تشير إليها مثل هذه الثقافة، سواء كانت واقعية أم متخيلة، لها أصول تاريخية، حتى وإن داخلها شىء من الخيال، وهو ما يتجلى بوضوح فى الملامح والسير، التى تحكى أحداث الماضى، الواقعى منه والمتخيل، والأمثال الشعبية التى صدرت فى مواقف ومناسبات انقضت ثم نسيت تمامًا، بينما بقيت الأقوال والأحكام متداولة بين الناس على مر العصور، فى ظل اتساع مغزاها وإمكان الرجوع إليها للتعبير عن واقع الحال، بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان»، كما يقول عالم الأنثربولوجى المصرى الكبير الدكتور أحمد أبو زيد فى كتابه «هوية الثقافة العربية».

إن التعلق بآمال عريضة والتمسك بغايات سامية مسألة ضرورية لإعطاء الحركة فى الواقع المعيش زخمًا أكبر وتصورًا أعمق وإصرارًا أشد، شريطة أن تكون هذه الآمال وتلك الغايات قابلة للتحقق، وليست مجرد أوهام تتبدد حين يتم وضعها محل اختبار عملى، مثلما هو واضح فى أفكار المتطرفين الذين يستغلون الدين بلا ورع ولا روية.

هناك مسألة خفية فى حكاية الرجل العظيم د. محمد مشالى، طبيب الغلابة، ساهمت فى الإعجاب به، وتكريس وجوده وتعظيم المثل الذى يضربه، ليكون عبرة لمن يعتبر. إنه كان دليلًا على أن محبة الناس تكون قادرة على صناعة المكانة الاجتماعية الحقيقية، أو الرصيد الكبير فى قلوب الناس، أكثر أحيانًا من رضاء السلطة السياسية، وأنه يمكن لشخص بإمكانيات بسيطة أن يصنع «أسطورة ذاتية» إن أخلص لمهمته ومهنته، وأن هناك صرخة فى العالم كله ضد ما فعله التوحش الرأسمالى بصحة الناس، والذى ظهرت بوائقه مع جائحة كورونا، التى فضحت مقدار الانحراف فى كثير من الدول عن تلبية احتياجات الناس الحقيقية، ومنها بالقطع الحاجة إلى رعاية صحية ملائمة.

*نقلاً عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة