عاجل

البث المباشر

قانون محاكمات «التيك توك» غير دستورى والنتائج كارثية

الحكاية من البداية ثلاثة محاور: الأول شيخ يريد إشعال حسابه على اليوتيوب للوصول للمليون، يرى أن الحديث عن المرأة هو الحصان الرابح فبدأ يهاجم ما تفعله البنات «وقد وصل للمليون متابع فعلاً»، الثانى خناقة بين شباب اليوتيوبر على سبوبة المتابعين، ومنهم من الأولاد من هو أسوأ مما تم القبض عليهن من البنات، لكنهم تحت مباركة ووصاية الشيخ، مثل اللاعب المتحرش وبالتالى لا يقلق قيم الأسرة، هذا الشاب يتحدث عن الرقص ويقدم مقاطع راقصة للبنات اللاتى تم القبض عليهن للركوب على أكتافهن ويحصد ملايين المتابعين أيضاً، ثم يختم الفيديو بقراءة قرآن فى نفس الفيديو (وقد وصل هو الآخر للمليون متابع)، الثالث نص قانون يطبق كل أحلام الإخوان والسلفيين التى فشلت فى الدستور بالنص على سلطة الأمر بالمعروف، فاتخذت شكلاً آخر باسم قيم الأسرة فى المادة ٢٥ من قانون الاتصالات، التى تنص على تجريم الأفعال التى تؤدى إلى مخالفة أو تهديد لقيم الأسرة، وهو نص معيب غير واضح الغرض منه، يفتح أبواب جهنم على كل من تسول له نفسه تقديم طرح مخالف فكرياً بالأساس، وأمام ضغط اليوتيوبر الذى خلق موجة كاذبة من الرأى العام كاختبار قوة، فزعت الحكومة ورأت أن تضرب بيد من حديد لإنقاذ بنات مصر، وهو ما رفعه الشعار الذى رفعه التيار الذى يختبر قوته على اليوتيوب، بناء على ذلك تم اصطياد هذه البنات الغلبانة اللاتى بارك الجميع تدمير حياتهن فى إطار الاستضعاف لفئات ضعيفة وهشة بالأساس، لا أعرف الحقيقة رغم خبرة أكثر من ربع قرن فى المحاماة والدفاع عن حقوق الناس ما هى «قيم الأسرة التى وردت فى القانون» أى أسرة التى ترى أن ختان الإناث وهو المنتشر بين أغلب الأسر المصرية نوع من الحماية لها؟ فى هذه الحالة يصبح تجريم الختان فى حد ذاته مخالفاً لقيم الأسرة، أم القيم التى تمنع البنات من السفر بمفردها حتى لو للحصول على الدكتوراه؟

أنا لا أعلق على حكم المحكمة، ولا أنتقد إحالة النيابة للدعوى وإنما أنتقد القانون الذى ألزم النيابة والمحكمة بتطبيقه، النص القانونى الذى خرج من البرلمان أصلاً كارثى، يهيل التراب على جهود ضخمة تبذل للإصلاح التشريعى وتطوير منظومة العدالة. قانون يجعل جميع المؤسسات عرضة للاستخدام، وهناك من يعكف وينقب على تمرير ألفاظ مطاطة وحقن مواد مسمومة فى التشريع يمكن استخدامها لإرهاب المجتمع وتدمير سمعة مصر عالمياً. كيف يتسق هذا النص مع ما ورد فى الدستور من نصوص عدة تضمن الحرية فى التعبير والإبداع والحق فى الحرية أصلاً. لا أحد يختلف على سوء المحتوى المقدم على تطبيق التيك توك إجمالاً بل إن فكرته سخيفة جداً، وهى تحويل الناس كأرجوزات خيال الظل يلعبون بشفاههم على أصوات مقاطع فنية أخرى، لم أحبها أبداً لا من المشاهير ولا من الأطفال، لكن لا أرى أن الأمر يصل إلى التجريم، البيان الأول للنيابة تحدث عن شبهات اتجار بالبشر ودعوة للفجور، كان واضح الإسناد، لكن الأحكام التى صدرت لم توضح هذا الاستناد، وإنما صدرت استناداً إلى الفيديوهات نفسها وما بها من سلوك وملابس مخالفة لقيم الأسرة «أى أسرة؟» أسرة القاهرة أم الصعيد الجوانى أم أعماق الريف؟ أى جريمة ارتكبتها شابة بأنها استقلت عن أسرتها فى شقة؟ ألم تمارس حقها الدستورى والقانونى فى حرية الحركة والتنقل؟ هل هذا جريمة أو قرينة على جريمة؟ المحتوى الذى يقدم هل يختلف عما يقدم من فنانين ليل نهار على نفس التطبيق أو تطبيقات أخرى؟

هذه القضايا برمتها غير مفهومة وتستند على قانون يجرجر مصر كلها فى مآخذ وقضايا نحن فى غنى عنها، ففى الوقت الذى تبذل فيه الدولة جهداً كبيراً فى قضايا مناهضة العنف ضد المرأة، منها مشروع قانون تغيير قانون الإجراءات الجنائية بحماية بيانات ضحايا العنف الجنسى للتشجيع على الإدلاء بالشهادات والبلاغات من ناحية؛ ومن ناحية أخرى ينشر أن المحقق طلب إجراء كشوف عذرية كدليل لسلامة السير والسلوك حتى ولو فى قضايا أخرى؛ (إن صح هذا الكلام). هذا القانون سيئ السمعة بحاجة إلى إعادة النظر، وأما البنات فبحاجة إلى قاض أب يرى التأهيل مقدماً على التنكيل.

*نقلاً عن "الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات