عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

عن تحصين النظام العربيّ

أطلق وزير الدولة الإماراتيّ للشؤون الخارجيّة الدكتور أنور قرقاش الأيّام القليلة الماضية صيحةً من أجل تحصين النظام الإقليميّ العربيّ، ومعتبرًا أنّ الأمر بمثابة معركة حقيقيّة، لا تعبيرًا مجازيًّا، وذلك بعد اتّفاق المملكة العربيّة السعوديّة ومصر على تكثيف التعاون والتصدّر لمحاولات دول إقليميّة توسيع نفوذها على الساحة العربيّة.

حين أطلق الوزير قرقاش صيحته الممدوحة هذه، لم يكن أردوغان قد خرج على العالم بتصريحاته الديماغوجيّة التي تحدّث فيها عمّا أسماه النضال التركيّ الممتدّ من سوريا والعراق حتّى ليبيا، والذي لن يتوقّف إلّا بعد تحقيق النصر لأنقرة ومن وصفهم "بأشقّائهم المحلّيّين"، عوضًا عن أن يشير إلى الطوابير الخامسة من العملاء والمرتزقة الداخليّين أنصار الطابور الخامس.

عطفًا على ذلك كان الأغا العثمانليّ المحتلّ يعيد ترديد الأسطوانة المشروخة تجاه ما يسمّيه حماية مصالح تركيا واستخدام حقوقها السياديّة في شرق المتوسط وبحر ايجه.

تصريحات السلطان المتوهّم، تقطع بأنّ الوزير قرقاش كان له في الحقّ ألف حقّ، حين أبدى ارتياحًا واستبشر خيرًا بتكثيف التعاون العربيّ – العربيّ، من أجل استعادة زمام المبادرة، بعد أن غدت ساحاتنا مستباحة، وحتّى إن كان الطريق وعرًا، والمعركة ممتدّة، إلّا أن النوايا العربية الحاسمة والحازمة في القبض على جمر المستقبل العربيّ، تتعزّز يومًا تلو الآخر.

ليس سرًّا أنّ أمّة العرب باتت قولاً وفعلاً محاصرة من قوى إقليميّة ذات قوميّات لا تواري ولا تداري مقتها وكراهيتها للعرب، ولم يتوقّف الأمر عند المشاعر والأحاسيس، بل تخطّاها إلى الأفعال العدائيّة بدءًا من العمل على تفتيت أنسجتها المجتمعيّة تارة، مرورًا بالكيد المباشر تارة، والوقيعة السرّيّة تارة أخرى، وصولاً إلى محاولات الاحتلال العسكريّ والهجومات المباشرة التي لا تخفى عن أعين المراقب للمشهد العربيّ، من سوريا إلى العراق، ومن اليمن إلى ليبيا.

أحسَنَ كثيرًا جدًّا معالي الوزير قرقاش حين وضع النقاط على الحروف في تغريدة سابقة له بشأن معنى ومبنى مصطلح السيادة الإقليميّة، ذاك الذي تحوّل إلى مطيّة لما أسماه وعن حقّ "الإمبرياليّة الإقليميّة وهيمنتها".

السيادة الدولية بحسب الأعراف والقوانين الأمميّة ركيزة أساسيّة في التعامل بين الدول، غير أن المعنى يضحى خارج التوصيف والتصنيف حين يستخدم من أجل أغراض السيطرة الإقليميّة المرتكنة إلى قعقعة السلاح والابتزاز الماليّ، الأمر الذي يتبدّى في أسوأ صوره في الحالة الإيرانيّة وما تمارسه من أعمال عدائيّة صباح مساء كلّ يوم في مياه الخليج العربيّ، وتهديد الجيران بصواريخ تعيد التذكير بنظيرتها النازيّة كما فعلت طهران في مناورات "الرسول الأعظم" قبل أيّام، ما يستدعي التساؤل: "ما هو رأي المجتمع الدوليّ في التمادي والغيّ الإيرانيّيْن السادرَيْن من دون أيّ اعتبار لقرارات مجلس الأمن؟

الأمر لا يقتصر على إيران، وإن كانت تمدّ أذنابها في أربع دول، العراق وسوريا، لبنان واليمن، بل يمتدّ إلى تركيا التي تحلم بإعادة عجلة التاريخ إلى الوراء، وتحلم بهيمنة عثمانليّة جديدة، وإن كانت الأيّام الأخيرة قد أثبتت أنّ اليقظة العربيّة – العربية، قد جعلت رجل أنقرة المريض يراجع أوراق سرت والجفرة مائة مرّة قبل أن يُقدِم على أيّ عمل أخرق.

الوزير قرقاش يبلور وجهة نظره بأنه بقدر تحدّيات الساعة، هكذا ينبغي أن يكون التضامن والتكاتف والاستعداد، كضرورة أولويّة عربيّة، فقد علّمتْنا التجربة التاريخيّة أن الرهان على الإغراب وإظهار العوز إلى الدعم، وذرف العبرات الثخينة، مهانة ما بعدها مهانة، فما حكّ جلدك إلا ظفرك.

والشاهد أن أجواء التكاتف العربيّ والتضامن بين الأشقّاء لا سيّما في المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات العربية المتحدة والبحرين، بنوع خاصّ أضحت فرض عين لا نافلة، سيّما وأن هناك من يستخدم نقودًا مزيّفة في أسواق العلاقات الدوليّة مرّة، ويغازل بها العوامّ في الداخل العربيّ مرّةً ثانية.

بمعنى آخر، إنّه آن الأوان لإبطال مفاعيل المزايدات الزاعقة والفاقعة على القضايا العربية السياسية الرئيسة والمصيريّة، وفي القلب منها القضية الفلسطينية بنوع خاصّ، تلك التي يتاجر بها من لم يُعرَف بمساعدته للشعب الفلسطينيّ، بل ربما يتعاطى مع أعدائه التاريخيّين من خلف الكواليس كما في النموذج التركيّ الأردوغانيّ بشكل خاصّ.

في هذا الإطار كذلك يمكن تفكيك المشهد الإيرانيّ المرائي عبر أربعة عقود والذي لم ينفكّ يؤلّف الفيالق العسكريّة، ويطلق عليها المسميّات الدعائيّة الجوفاء، مثل فيلق القدس، والذي ضلّ طريقه عن بيت المقدس، ووجه إرهابيّيه إلى سوريا والعراق واليمن ولبنان، ولم يطلق رصاصة واحدة طوال أربعين سنة على معسكرات العدوّ، والعجيب أنّه بات يتلقّى الضربات والصفعات في الداخل والخارج ولم يحرّك ساكنًا.

رؤية الوزير قرقاش لتحصين النظام العربي تطلق جرس إنذار تجاه الأوضاع اللوجستيّة لجيران العرب من منطلقات التاريخ والحضارة والجغرافيا، لكنّهم لم يقيموا للجيرة ما تستوجبه من حقوق أدبيّة وأخلاقيّة أيّ وزن، وبالقدر نفسه لم يراعوا الالتزامات القانونيّة والشرائع الدوليّة التي توضّح الخطوط وتفصل الخيوط، بين ما هو متاح ومباح، وما هو ممنوع ومحرّم.

من اليسير أن يحدّد المرء تلك القوى الإقليميّة الغادرة، لا سيّما أن نواياها وترصُّدَها للعرب واضحة، وأهدافها التوسّعيّة جليّة للعين، وسعيَها إلى فرض وصايتها مكشوف للرائح والغادي.

تحصين العالم العربيّ ينطلق في بلورة استراتيجيّة موحّدة لمواجهة الأخطار القائمة والقادمة، استراتيجيّة تغنينا عن القول المأثور "أُكِلْتُ يومَ أُكِلَ الثورُ الأبيض"، استراتيجيّة تبعث رسالة تنذر وتحذّر من أن عالمنا العربيّ وعواصمه لا يمكن أن تكون مشاعًا للتدخُّل الإقليميّ من دون حساب أو عقاب.

تحصين البيت العربيّ في الوقت الراهن قضيّة مُلِحّة وفوريّة، ومهما كانت الآليّات المطلوبة من حيث الاسم، تفعيل اتّفاقية الدفاع العربيّ المشترك، أو أفكار من خارج الصندوق تواكب التطوّرات اللوجستيّة والسياسيّة الدولية المتدهورة والمتهوّرة من اليمين واليسار، فالمطلوب قَطْع الطريق على أزمنة الميليشيات الإرهابيّة، والهجمات الانكشاريّة.

حكم التاريخ سيكون بتّارًا على المدافعين عن الأوطان وكذا الخونة، فانظرْ ماذا ترى؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات