عاجل

البث المباشر

ماجد إبراهيم

صحفي في غرفة الأخبار بقناة العربية

صحفي في غرفة الأخبار بقناة العربية

حين انفجر قلب بيروت!

دماء فجيعتها سالت قبل أن تسيل صرخات زجاج بناياتها وهول الصدمة على وجوه وأصوات ساكنيها، بيروت.. الرابع من أغسطس في عام الجائحة الأكبر في العصر الحديث، كانت عنوانا فوق العناوين وجائحة الجوائح على شاشات العالم وفي قلوب عشاقها، يومٌ بدا عاديا ضمن سياق الأيام اليائسة لعاصمة جمال مُتعبة من انتهاك كل جمالياتها، منهكةٌ من يأس ناسها وعشاقها، يأس طرقاتها وأزقتها، يأس آثارها وأحدث ما بزغ على وجهها الجميل والمرهق، يومٌ بدا عاديا ومملا حتى وصلت ست الدنيا -في لحظة قاصمة وشبه متوقعة- إلى الرمق الأخير من ضيق أنفاسها المكتومة بأيدي ثُلة من الأوباش ارتدوا عباءة السياسة الممزقة من كل الجهات، ومضوا غير عابئين بأرضٍ ضاربة عروقها في الجمال وباسقةٌ أغصانها في سماء الشعر والموسيقى والحلم السرمدي.

لم ترَ العاملة المنزلية ضوء الغروب الخجول وهي تُفجع بتفجر زجاج الشرفات على الطفلة الصغيرة، كانت غريزة الأم أقوى.. سأحمي طفلتي وليكن ما يكن بعدها، الغروب ذاته لم يلمح نفسه في مرآة السماء يومها، السماء ذاتها لم تقاوم صدمة مارد الدخان الشرير والعملاق وهو يغتال مشهد الغروب البيروتي الساحر، نافثا ملايين الصرخات في منازل المدينة المنكوبة وما حولها، وصارخا بمنتهى الوحشية: أنا أحد أكبر عناوين الشر في عالمكم المرتبك.

المرفأ الذي ابتعد كثيرا عن أغنيات فيروز ومواويل نصري ووديع، على غير عادة المرافئ الرابضة على ذكريات موسيقى الراحلين عنها والعائدين إليها، أجبرته الصرخة البيروتية الدامية والموجوعة والغائرة في الألم على المغادرة ولو انتحاراً، لم يكن له من خيار سوى أن يصبح عنوان الفاجعة وقبلة الصدمة، لم يأبه بأشلاء من دفنوا تحت أنقاضه ولا بجروح شظايا الزجاج التي خلفها انفجاره المدوي في رأسٍ شابَ شعرهُ تمسكًا بأملٍ لن يأتي ويأسٍ مقيم، المرفأ الذي كان قبلة الداخل من الجمال إلى المدينة والخارج من الحنين شوقا للعودة إليها، بات مصدر الفاجعة ومدفع التدمير لوجه مدينة من أجمل مدن الأرض.

ثوان معدودات انفجر فيها قلب بيروت غيضا وكمدا، تهاوت فيها أشعار وموسيقى الرحابنة الضاربة في الحلم، ارتبك فيها إيقاع الدبكة وتعثرت الصبوحة بخطواتها الثابتة منذ عشرات السنين، شحّت فيها أفكار جبران وسعيد عقل وعجزا عن كتابة الشطر الأول من القصيدة، انهمرت فيها دمعة جبل لبنان الشامخ، وصرخ ملايين البيروتيين الذين لم تصلنا صرخاتهم عبر عشرات المقاطع في هواتفنا الصغيرة.

صرخة بيروت المدوية غطت على ملايين الصرخات من أفواه كبارها وحتى مواليدها الذين شهدوا فاجعتها الأكبر بين أيادي ملائكة الرحمة، وستبقى ترنُّ في آذانهم قبل أن يلفظوا كلماتهم الأولى، صرخة ما بعد الوجع، ووجع ما بعد القنوط من الحياة.. لمدينةٍ كانت تباهي نظيراتها بحب الحياة لها وإدمان أهلها على حب الحياة.

انتقمت بيروت في الرابع من آب كما يسميه أهلها، انتقمت لذاتها الجريحة منذ أمدٍ طويل بانفجار هز العالم بوحشيته، انتقمت من كل أعدائها، انتقمت من سيدها -المتوج عليها قسرا- وهو التابع لأحد أكبر أسياد الشر في العالم والطاعنُ في خاصرة جنوبها، انتقمت بيروت من أهلها.. كل أهلها وعشاقها الذين خذلوها طوال عقودٍ لا تُحصى.. انتقمت منهم جميعا وفاض بها الكيل من سعادتهم المتخيلة وهم يرددون بسعادة مؤقتة في سهراتهم خارجها: راجع يتعمر راجع لبنان.. وإذا طال مدى السهرة صدحت أصواتهم "لبنان رح يرجع"، صرخت بيروت فيهم جميعاً: لبنان لم يذهب إلى مكانٍ آخر "تـَـ يرجع"، أنتم من ذهبتم إلى الشر وعدتم بهِ إلي!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات