عاجل

البث المباشر

إميل أمين

<p>كاتب مصري</p>

كاتب مصري

تركيا.. العقدة الدونية تجاه الأمة المصرية

في الوقت الذي يرسل فيه الأغا العثمانليّ بمرتزقته وانكشاريّته المحدثة إلى ليبيا، يتساءل المراقبون في الإقليم والعالم، لماذا كلّ هذه الكراهية التركيّة لمصر والمصريّين، وهل هي كراهية جديدة أم لها جذور عميقة في النفس العثمانليّة الشائهة منذ زمان وزمانين؟

خَيَّل إلى الرائي أن توجّهات أردوغان تجاه أمّ الدنيا وليدة اللحظة الآنِيّة، لحظة 30 يونيو 2013، حين هتفت جماهير المصريّين: يسقط يسقط حكم المرشد، ولم تقلْ يسقط مرسي، إذ كان القاصي والداني يعرف من يدير شؤون البلاد أو هكذا يتوهّم أنّه يديرها.

نعم في هذه اللحظات التاريخيّة من عمر الزمن، تكسّرت على صخرة المحروسة اﻷطماع اﻷردوغانيّة المنحولة، في الانطلاق من الكنانة إلى بقيّة دول المنطقة، ﻹعادة إحياء ملامح استعمار بائد، جَثَمَ على عقل وصدر العالم العربي بضع مئات من السنين، ساد فيها الظلام، وانتشر الجهل، وتفشَّتْ الكراهية، وخُيِّلَ لحاكم إسطنبول أنه قادر على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء.

لكنّ رؤية تاريخيّة أعمق وأكثر تجذُّرًا في بطن التاريخ، تخبرنا أنّ وراء اﻷَكَمَة ما وراءها، وما يحتاج إلى مؤلّفات قائمة بعينها، لا مجرّد مقال عابر.

يبقى مصطلح الكراهية الحضاريّة هو الفاعل والحاكم في العلاقة بين مصر وتركيا، ذلك أنّه إذا كان العالم يدرك أبعاد الحضارة المصريّة، والتاريخ الذي خَلّفه المصريّون من ورائهم عبر سبعة آلاف عام، ومنجزاتهم في مسيرة الإنسانيّة، من غير شوفينيّة، فإن الباحث في علوم الأنثروبولوجيا سيدرك بالقطع، تهافت الترك كعرق، اﻷمر الذي وضَّحَه العالِم الكبير وأبو الجغرافيا في القرن العشرين الدكتور جمال حمدان، وقد أشارت أقلام كثيرة إلى ما قاله في هذا الخصوص، ونعيد تذكير من لم يُقَدَّر له من قبل أن يطَّلع على ما كتبه في شأنهم.

في مؤلّفه العمدة: "استراتيجيّة الاستعمار والتحرير"، يصف المفكِّر الكبير تركيا بأنّها "قوّة شيطانيّة مترجّلة، بلا تاريخ أو حضارة، اتَّخذتْ لنفسها وطنًا بالتبنِّي، حتى كتابتها استعارتْها من العرب، إنّها أشبه بغراب يُقَلِّد مشية الطاووس، يشعرون بعقدة نقص تجاه مصر التي أذلّتهم، وسحقت جيوشهم،، لكنّها نَسِيَت ذلك، وتناطح أسيادها العرب الآن.

مثير جدًّا أن يمضي هذا العالم الكبير في تأصيله للنوع التركيّ، وهو تأصيل لا يختلف عمّا يمكن ﻷي مفكّر أو باحث أن يجده في أوربّا والعالم القديم عن التركيّ.

قال الأرمن الذين عرفوا المجازر على يد جمال باشا السفاح ومن لَفَّ لفَّهُ: لا تعطِ ظهرك لتركيٍّ، وإلّا فسوف يغدر بك ويطعنك من الخلف"، فالتركيّ إذا لم يجد أحدًا ليقتله، يقتل أباه.

قبل اﻷرمن بقرون طويلة قال الآشوريّون: "للشيطان وجوه متعدّدة منها وجهُ التركيّ، فيما الرومان لاحقًا مَضَوْا في سخرية مريرة لاذعة بقولهم: أيسر أن يبيض الديكُ، من أن يصبح التركيّ إنسانًا، أمّا البلغار الذين عاشوا حروبًا طويلة مع اﻷتراك فقالوا: حيث دعستْ قدم التركيّ فلن تَنْبُت الحشائش. وقد اكتشف اليونانيّون الازدواجيّة الأخلاقيّة للأتراك فحَذَّروا شعوب العالم من أنّه إذا تحدَّثَ التركيّ عن السلام، فاعلَمْ أنّ الحرب قادمة. والمجال يطول في الاستشهاد، اﻷمر الذي يؤكّد قولًا وفعلًا ما شَدَّدَ عليه البروفيسور حمدان من أن "اﻷتراك قوم همج، لم يتّحدوا في دولة متحضِّرة، فهم يحاربون بعضهم من أجل الكلأ والمرعى.

حين يُقَلِّب الأغا العثمانليّ أردوغان في دفاتر بلاده قبل قرنين من الزمن حتمًا سوف يشعر بغَصَّة قاتلة في حلقه، وحقدٍ دفينٍ في روحه، يستدعيه من انكسارات أَذَلَّت فيه مصرُ عسكريًّا العثمانيّين.

على سبيل المثال لا الحصر، أذاق المصريّون العثمانيّين المهانة ثلاث مرّات في عام واحد.

في السادس عشر من يونيو من عام 1832، حدث الفتح المصريّ المبين للشام، والذي يذكره المؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي في كتابه المعنون "عصر محمد علي"، فقد انتصر الجنود المصريّون على الحامية التركيّة التي كانت تُقَدَّر باﻵلاف، والذين فرّوا مع واليهم فرارَ الجبناءِ.

في الثامن من يوليو 1832 كانت معركة حمص، وهذه يذكر المؤرخون أهميتها الاستراتيجيّة، لقربها من البحر المتوسط، وفيها سحق الجيش المصريّ والذي كان عدده 30 ألفًا، نظيره العثمانليّ والذي بلغ وقتها 60 ألفًا، وتحطيم 25 سفينة، وقُدِّرَت خسائر الأتراك بـ200 قتيل مقابل مائة من المصريّين.

في الحادي والعشرين من ديسمبر، كانت معركة قونية، والتي كانت بمثابة سعي مصر لتأمين الحدود الممثِّلة للأمن القوميّ للمصريّين، ولهذا زحف جيش المصريّين إلى سوريا، وأوقع بالعثمانليّ نحو 3000 قتيل، وتمَّ أسر قائده، و5000 آلاف من جنوده، فيما لم تتجاوز خسائر المصريّين 262 شهيدًا.

يَعِنّ للمرء أن يتساءل: ألا تكفي هذه الصفحات الناصعة البياض من الانتصارات المصريّة والهزائم التركية، أن تصيب قلب وعقل أردوغان بالحسرة.

ثمّ، وربّما هذا مهمّ بدوره، ألا يتوَجَّب على "خلوصي أكار"، وزير الحرب التركيّة، أن يراجع تلك الأرقام والحقائق، قبل أن يتوجّه بحديثه للمصريّين، والذين لم يسعوا هذه المرّة إلى تأديبه وشعبه خارج الحدود اﻹقليميّة، وإنّما اكتفوا فقط بخطوط الطول والعرض للأمن القوميّ المصريّ، والذي تُعَدّ ليبيا ركنًا أصيلًا فيه؟
على أردوغان وأكار أن يقرآ التاريخ، وإن كانا لا دالة لهما عليه، فالجهل والحقد يعميانهما، ذلك أنهم أحفاد "الحيثيّون الجدد"، الذين لم يكن لهم أيّ شاغل سوى تحطيم اﻹمبراطوريّات المجاورة، وإعمال السيف في جيرانهم، في حلقات متّصلة من الخيانة للقريب والبعيد، ما جعلهم عُرْضة في الحال والاستقبال لسهام الشرق والغرب.

شَتَّان الفرقُ بين مصر وتركيا، والعهدة على الدكتور حمدان دومًا، ففيما مصر كانت وستظلّ روحًا واحدة خلّاقة منذ آلاف السنين، نجد تركيا تمثِّل قمّة الضياع الحضاريّ والجغرافيّ، فقد غَيَّرت جلدها وكيانها أكثر من مرّة، فعمدت إلى الشكل العربيّ مستعيرةً إيّاه تارةً، والحضارة لا تقوم أبدًا بالاستعارة، ثمّ بدَّلته بالشكل اللاتينيّ مرّة أخرى، وحاولت العزف على أوتار المظهر الحضاريّ اﻵسيويّ، ولاحقًا نبذتْه، وسَعَتْ إلى الوجهة الأوربيّة فأُغلِقَتْ أمامها اﻷبواب.

هل يفتقد العثمانيّون الجدد هزيمة محدثة على أيدي خير أجناد اﻷرض؟

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات