عاجل

البث المباشر

حسام عيتاني

<p>كاتب صحفي لبناني</p>

كاتب صحفي لبناني

ليت نظرية المؤامرة تصحّ اليوم في بيروت

لو صحّت نظرية واحدة من نظريات المؤامرة، لاستحق اللبنانيون بعض العزاء في نكبتهم الجديدة. لو صحّ، مثلاً، أن طائرة إسرائيلية قصفت باخرة محملة بالأسلحة في مرفأ بيروت، أو أن عدواناً ما استهدف العاصمة، أو أن حزباً أرعن أخطأ في تخزين صواريخه التافهة، لكان اللبنانيون قد اعتقدوا أن حياتهم وموتهم يعنيان شيئاً ما لأحد ما.
لكن الأرجح أن ما جرى ليس سوى حلقة إضافية من سلسلة أحداث لا معنى لها ولا تقول سوى إن اللبنانيين كمّ من البشر المتروكين لقدرهم الغاشم. تضافر حكم اللصوص والقَتَلة وتحالف الفساد والطوائف دمّرا قسماً من المدينة ومعه مصائر سكانها بعدما اجتث حياة مئات القتلى وآلاف الجرحى.
لا عزاء لسكان بيروت ولأهل لبنان. لم تقع كارثة المرفأ وانفجار آلاف أطنان نيترات الأمونيوم لأن عدواً حاول استخراج أمنه من موتهم أو دفع وحشيته إلى مداها الأقصى ليردع بعضهم عن مغامرة ما. ولا لأن معركة كبرى كانت تتحضر وثمة من وضع صواريخ أو ذخائر في غير موضعها... وقعت الكارثة لأنها يجب أن تقع... لأن حتميةً ما قادت سلسلة من الأحداث المدارة على الطريقة اللبنانية إلى هذه الفاجعة التي تعلن، إلى جانب الانهيار الاقتصادي والفشل في احتواء جائحة «كورونا»، كم أن الحياة رخيصة في هذا البلد ومبتذلة ومتاح التخلص منها لكل من أراد واستطاع.
الرواية التي تجمعت معطياتها في ساعات الليل الأخيرة عن وجود الكمية الضخمة من المواد الكيماوية في مرفأ العاصمة منذ سنوات مديدة، تخلو من أي عنصر درامي أو بطولي أو تآمري أو مخابراتي. هي من إنتاج مجموعة من الموظفين المرتشين والقضاة الفاسدين والإداريين عديمي النزاهة والكفاءة. ما من شيء يستحق فيلماً من «هوليوود» مع نجوم وممثلين وسيمين. إنها كارثة ارتكبها «أزلام» يشكلون نوابض وروافع وعتلات آلة القتل اللبنانية المشتغلة هذه الأيام بكامل طاقتها، ونعثر على إنتاجها على شكل أموات أمام أبواب المستشفيات، ومودعين تذلهم المصارف لإعطائهم القليل من أموالهم، وموظفين وعمال طردتهم مؤسسات مفلسة أو تدعي الإفلاس. لآلة القتل هذه وجوه كثيرة في الإدارة العامة والمرفأ والجمارك والأجهزة الأمنية وأصحاب المصارف وفي الإعلام المأجور. ويسهل على عرّابي الطوائف التبرؤ من صغار المرتكبين والمجرمين، والتخلص من أوزارهم وأدرانهم، وإلقاؤهم مع قاذوراتهم خارج حمى الجماعات الطاهرة والمنزهة عن الشطط والخطأ.
مجموعة السياسيين؛ الذين لا يصح وصفهم إلا بكلمات غير قابلة للنشر، ومن كل الطوائف والمذاهب والأحزاب والتيارات، هم من يتحمل المسؤولية عن دماء آلاف الأبرياء التي أريقت في شوارع بيروت مساء الثلاثاء، وليس موظفاً صغيراً من هنا أو تابعاً حقيراً من هناك. وما وصول البلد إلى حضيض الانحطاط الذي يتمرغ فيه اليوم سوى نتيجة لممارسات هذه العصابة المستمرة منذ سنوات والتي أحسنت اللعب على خوف اللبنانيين وعصبياتهم وقلقهم حيال مستقبل يتسم دائماً بالعنف والفقر والموت.
وها قد حلّ هذا الثالوث بين ظهرانينا. لقائل أن يلقي اللوم على اللبنانيين وتقصيرهم في السعي وراء حقوقهم. ولآخر أن يرى في انسداد أفق التغيير السياسي؛ الذي يحال دونه بقوة الميليشيات وعسف السلطة والمصارف، ثمناً للاستنقاع العربي ولفشل محاولات التقدم على مدى عقود. لا تغيب الوجاهة عن هذه التفسيرات. لكن الأدهى أن حاصل جمع العوامل الخارجية والداخلية قد جرّد اللبنانيين من أدوات المراقبة والمحاسبة. ما من مراقب في لبنان سيثق بكلمة تقولها الجماعة المستولية على السلطة بشأن أسباب الانفجار والمسؤولين عنه. ما من ساذج سيقبل بكذبة سيقولها الوزراء عن أن أموراً كهذه تحصل في «أحسن الدول». ما من صحافي سيصدق أن مواد كيماوية خطرة وقابلة للانفجار قد خزنت لسنوات في مرفأ بيروت من دون علم المتسلطين على المرافئ والمرافق العامة التي يجبون منها النوافل والغنائم وتشكل مصدر دخل رئيسياً لعصاباتهم وأحزابهم الكريهة.
وسواء ظهرت الحقيقة أم لم تظهر؛ ذلك أن حقيقة من دون عدالة لا قيمة لها. ويعلم كل اللبنانيين أنْ لا عدالة في بلدهم البائس، وأن حياتهم في نظر رعاتهم ليست أكثر أهمية من حياة شاة في قطيع؛ تُذبح عند الحاجة ويوزع لحمها وصوفها على «المستحقين».
لو حملت كارثة بيروت معنى ما؛ لكان انعدام المعنى من توالي أيام يتساوى فيها موت وحياة آلاف البشر الذاهلين والسائرين إلى العدم ما إن يخرجوا من منازلهم. ليت واحدة من نظريات المؤامرة كانت صحيحة، لكنا استطعنا أن نرفع رأسنا وننظر في عيون الضحايا ونقول إن دماءكم لم تذهب هدراً...

نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات