عاجل

البث المباشر

لا حرب أهلية في لبنان!

يروّج الذباب الإلكتروني في الداخل اللبناني لـ"الحرب الأهلية" على قاعدة خافوا وانكفِئوا.. وإلا! هذه التهديدات فارغة والمقصود بها زرع الرعب في النفوس للتراجع عن مطالب اللبنانيين المحقة بدولة مؤسسات "قادرة" وحكومة مستقلة وإسقاط النظام الحاكم وعلى رأسه حزب الله. ومردّ فراغ تلك التهديدات يمكن تلخيصه بالتالي.

أولاً، أحداث 7 أيار (مايو) 2008 لا تنطبق عام 2020. فعام 2008، كانت إيران في موقع قوة مع وصول الرئيس السابق باراك أوباما إلى البيت الأبيض وانتهاجه سياسة "التصادق" مع الإيرانيين والسماح لطهران بـ"أن تسرح وتمرح" في العواصم العربية مقابل الموافقة على الاتفاق النووي الذي تم توقيعه بعد 7 سنوات من أحداث أيار.

فعام 2008 كان حزب الله في الداخل اللبناني في موقع قوة غير مسبوقة مع حصوله على غطاء من "تسونامي المسيحيين" الرئيس الحالي ميشال عون إثر توقيع اتفاق معه عام 2006 أدى للحصول على دعم وغطاء يخلّص حزب الله من مشروع مذهبي قد يُتهم به فينتقل من خلال هذه التحالفات ليظهر بمشهد "وطني" جامع (مع عشرات نقاط الاستفهام بعد كلمة "وطني"). فكان له يومها أن تحالف مع بعض القيادات السنية والدرزية من الصف الثاني لإضفاء "مشروعية مقنعة" على مشروعه لاحتلال لبنان سياسياً وكان ذلك! أما اليوم فلم يعد "تسونامي المسحيين" يشكّل 70% من الشارع المسيحي كما يومها (ولا يتخطى ما يمثله الرئيس عون وتياره الـ30% كأقصى تقدير وفق استطلاع رأي مشهود لصدقيته لبنانيا) ولم يعد لقيادات الصف الثاني السياسية من السنة والدروز أي اعتبار داخل طوائفهم. وللأمانة، لم يعد لأي من الساسة اللبنانيين أكانوا من الصف الأول أو الثاني أو الأخير أي اعتبار لدى اللبنانيين بعد ثورة تشرين.

ثالثاً، علم حزب الله اليوم أنّ المكتسبات السياسية التي حققها من 2006 وحتى عام 2019 بدأت تتضعضع عندما لفظ اللبنانيون الحكم والحكام في أكتوبر من العام الفائت فما كان من حزب الله إلا أن يأتي بحكومة من وجوه جديدة ومختلفة "غير مسبوقة" في المشهد السياسي وذلك نزولا عند رغبة الشعب ولو بـ"قناع" (وللإشارة هنا، فقد كان ذاك التحول ـ رغم أنه "مقنع" ـ من أهم محققات الثورة التي نجحت بإخضاع الحكام والبحث عن بدائل "أقلّ وقاحة" كما كانت لسنوات). أما القناع ذاك فلم يكن حزب الله ليضعه إلا "مجبرا" بخلاف سنوات "القوة" التي كان عليها خلال 15 عاماً. ومع سقوط حكومة "الأقنعة" شعر حزب الله بهول الحدث والذي فاض بالخزان وحوّله لإعصار مدمر في مرفأ بيروت. فما كان عليه إلا الرضوخ للإرادة الشعبية والتسليم بالخسارة والبحث عن بعض المكتسبات التي قد تضمن له البقاء ولو بدور مختلف عما كان عليه بعد عام 2005. وهنا بدأ يروج إلكترونيا مهوّلا بشبح الحرب الأهلية، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه أمين عامه حسن صرالله أكثر من 6 مرات في خطابه الأخير.

ينقلنا هذا إلى النقطة الرابعة لدحض فرضية "الحرب الأهلية". حزب الله يعلم تماماً، أنّ زمن الاغتيالات ولّى فلا ساسة معارضون يأبه لهم الشعب اليوم، ولا غطاء دولياً (بخلاف عهد أوباما) لأي ممارسات قد يلجأ لها على غرار 7 أيار، كما لا غطاء داخلياً له من فصائل وأحزاب يأبه الشعب اللبناني لها اليوم، إضافة إلى أنّ "شبح الحرب" لا يتعدى كونه تهديد لمحاولة زرع الرعب في النفوس، فيما النفوس اليوم كسرت حاجز الخوف وهتفت في وسط بيروت "حزب الله إرهابي" وعلّقت مشنقة نصرالله إلى جانب الساسة الآخرين في ساحة الشهداء، في مشهد غير مسبوق.

خامساً، يحاول حزب الله عبر شبح "الحرب الأهلية" زيادة قدراته التفاوضية إلا أنه يعلم تماماً أنّ الأزمنة تغيرت واللبنانيون تغيروا وخياراتهم ضاقت وضاقوا بها ذرعاً، فهم مخيّرون بين الجوع أو الموت بتفجير، وفي الحالتين لا شيء ينفع معهم لثنيهم. ولم يعد أمام الحزب إلا خيار واحد وهو التمسك بخشبة الخلاص الفرنسية بعد أن بقي وحيداً عالميا وعربياً. وخياره واحدٌ: الانكفاء إلى موقعه "المقاوم" بعيدا عن السياسة والحكم والحكومة والتسليم بوزراء مستقلين يعيدون لبنان إلى الحاضنة العربية والعالمية وينصرف هو إلى شمّاعته "المقاومة"، مع فارق بسيط ألا وهو أنّ شعار المقاومة سقط بعد عام 2000 (كما صرح أمين عامه السابق صبحي الطفيلي مؤخرا) فيما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا تُحل إلا عبر القنوات الديبلوماسية ولا تزال الأمم المتحدة بانتظار الخرائط اللبنانية والسورية بشأنها.

أخيراً وليس آخراً، يبقى أنّ على حزب الله التسليم بخسارة مكتسباته السياسية التي تحققت عام 2006 في أعقاب اتفاق مار مخايل (بين عون ونصرالله) والحفاظ على "ماء الوجه" بالعودة إلى دوره كـ"مقاومة" ضمن سياسة الاقتصاد مقابل السلاح التي كانت سائدة بين عامي 1990 – 2005 مع إضافة مهمة لاختلاف في المشهد بين اليوم وتلك الحقبة، ألا وهي إعادة إقناع حزب الله لجماعته بأنه "مقاوم" لا ميليشيا تحارب بسوريا والعراق واليمن وتزرع "الإرهاب" في القارات الخمس. هذا، فيما بيئته سيأتي يوم وتفهم كما فهم اللبنانيون الآخرون في أعقاب الحرب الأهلية ألا خلاص لهم إلا بدولة تحميهم كمواطنين أولا وتؤمن احتياجاتهم وتكرس حقوقهم على حساب ولاءاتهم الحزبية و"الذمية" التي حاولت معظم الأحزاب في مراحل مختلفة استغلالها وكان آخرها حزب الله.

بالخلاصة، لا حرب أهلية في لبنان، وهذه التهديدات لن تخرج عن شاشة هاتف (عبر رسائل نصية) أو شاشة تلفزيون (عبر خطاب من هنا أو هناك) لأنّ حزب الله يعلم تماماً أنها ستقضي عليه بالضربة القاضية إذا ما انتهجها وهو أذكى من ذلك بكثير! وللإشارة، حزب الله لم يستخدم سلاحه بالداخل إلا وهو في موقع قوة كما عام 2008 ليفرض بالسلاح أمراً واقعاً يكرّس فيه حكمه ولا لينتزع الحكم بـ"قوة السلاح".. فاليوم هو في موقع ضعف سيحتاج فيه للتفاوض على البقاء لا أكثر وأي تهديدات لا تتعدى محاولة لزيادة الفرص التفاوضية.
ومجددا .. لا حرب أهلية في لبنان!!!

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات