عاجل

البث المباشر

من أين أتت "متفجرات بيروت"؟ وما دور إيران في جورجيا؟

لا خلاف على الفساد المتعشش في الداخل اللبناني ودوره الهدّام لبلاد تحوّلت في 15 عاماً إلى منكوبة اقتصاديا ووصلت إلى الحضيض معيشياً قبل أن تنفجر أمنياً. ها هي بيروت يساويها "هجوم إرهابي" بالأرض ويطمر تحتها قرابة 200 قتيل وآلاف الجرحى وملايين اللبنانين الذين تم اغتيال أرواحهم رغم نجاة أجسادهم.. وكل ذلك إثر قنبلة مزروعة في ميناء بيروت ويحيط بها قرابة مليوني مدني.

كان ولا يزال الفساد والسلاح سيّان في لبنان، الأول يغطي الثاني الذي بدوره يستغل الأول. أما هذه المرة فالمعادلة معادلة "إرهابية" مرتبطة بسلاح قبل أن تكون مرتبطة بفساد. يطيب لحزب الله التنصل من مسؤوليته عن انفجار بيروت وأن يردّه إلى "الفساد" الذي لا يختلف اثنان على وجوب استئصاله. لكنّ ضياع البوصلة في هذا الظرف تقتل الضحايا واللبنانيين مرتين وتفجّرهم في كل يوم. هذا فيما الحاصل أبعد من موضوع فساد لا بل يتعدّاه لتكديس متفجرات تساوي قنبلة شبه نووية في ميناء يعرف القاصي والداني سيطرة حزب الله عليه. وفي المعلومات التالية ما يؤكد أنّ هذه المتفجرات مصدرها إيراني، وتم تهريب جزء كبير منها إلى سوريا ليستخدمها الأسد في "براميله المتفجرة"، وفق ما أكدته مصادر سورية وخبراء متفجرات تحدثوا بالسنوات الماضية عن نيترات الأمونيوم في البراميل المتفجرة التي ألقاها النظام السوري على المناطق السكنية.

هذا وتم تهريب مواد منها إلى أوروبا كما تبيّن أنّ عملية بورغاس في بلغاريا استخدم فيها حزب الله نيترات الأمونيوم وفق السلطات هناك. فهذه المادة رخيصة الثمن ومفعولها كبير مقارنة بمواد أخرى قد تُستخدم بالمتفجرات. هذا الكلام الموثّق ليس اتهاماً لكنّ ما سنسرده تباعاً قد يطرح عددا من الأسئلة التي يجب التوقف عندها وإعادة التفكير فيها.

عام 2013 نقلت شبكة بي بي سي تقريرا حول الدور الإيراني المتزايد في جورجيا عبر عشرات الآلاف الإيرانيين الذي انتقلوا إلى تيبيليسي لأسباب "اقتصادية". ومع اشتداد العقوبات أكدت تقارير متقاطعة على استغلال إيران لجورجيا للبدء باستثمارات "واعدة".

في تصريح نقلته وكالة إيرنا الإيرانية في 22 أبريل 2014، استقبل الرئيس الإيراني، حسن روحاني، سفير جورجيا الجديد في طهران حيث أكد له روحاني أن "إيران تولي أهمية قصوى لتوسيع شبكة سكة الحديد وربطها بموانئ البحر الأسود خاصة ميناء باتومي عبر الأراضي الأذربيجانية".

فمنذ عام 2010 كان بدأ التوسع الإيراني في جورجيا حيث اعتمدت طهران على المنفذ الأوحد لها بعد الحصار البحري والجوي الأميركي عبر الخليج والمحيط الهندي، فاتجه النظام الإيراني عبر أذربيجان إلى جورجيا ومرفأ باتومي المطل على البحر الأسود عبر سكة حديد تصل بين طهران وهذا المرفأ. ووفق كل مستندات الباخرة التي نقلت هذه المتفجرات فقد كانت نقطة التصدير (A) هي من جورجيا حيث تبيّن أنّ أي مصنع لنيترات الأمونيوم غير موجود هناك: وبالتالي مصدر الأمونيوم ليس جورجيا! لاحقاً تبين أن مستأجر هذه الباخرة ومشغلها هو رجل أعمال إيراني (يحمل جنسية مزدوجة) على علاقة "مؤكدة" بالحرس الثوري.

هذا وأظهرت تحقيقات بأنّ جميع البوالص المرتبطة بالباخرة كانت مزورة وتم اختيارها عن قصد حيث كانت هذه السفينة على مشارف انتهاء صلاحيتها التشغيلية وأصحبت متهالكة فيتم استخدامها بهذه الشحنة قبل إغراقها بعد تنزيل بضاعتها وهذا ما جرى بمرفأ بيروت لتغرق معها الأدلة وتُطمس في البحر مع أسراه. وخلال الرحلة تم افتعال مشاكل مع البحارة الذين تم وعدهم برواتب عالية و BONUS من شأنها إظهرا المعادلة وكأنها خلاف تجاري - مالي. يأتي ذلك، ووفق السيناريو، دخول مشغل في قبرص على الخط (دفع مليون دولار له) لتحويل وجهة الباخرة لبيروت وإظهار أن وجهتها الأخيرة هي دولة موزنبيق لكن أي معمل في هذه الدولة لم يطلب هذه البضائع (وفق التحقيقات المنشورة). في الأثناء، حققت الجهات الدولية في كل من جورجيا وفي الدول الكاريبية حيث الشركات الوهمية تم تسجيلها كما دققت بالمعلومات في الموزنبيق ليتبين أنّ كل العملية وهمية ووراءها جهات تتقن العمل المخابراتي. ينقلنا ذلك إلى السؤال الأصح اليوم في لبنان وهو: من هو وراء شحنة الأمونيوم وما القصد بتخزينها في ميناء بيروت عبر مسرحية مكشوفة وفق التحقيقات الدولية حتى الساعة. وعندما تظهر الجهة الأولى المالكة للبضاعة يمكن فهم تخزينها في ميناء يسيطر عليه حزب الله.

فالمصدر هو إيران والمخزّن هو حزب الله وكل ذلك لأسباب مرتبطة بشكل وثيق بتاريخ إيران - حزب الله الحافل مع نيترات الأمونيوم.

ففي جورجيا دور إيراني بارز للحرس الثوري حيث عملت تيبيلسي بعد عام 2018 على مكافحته احتكاما للعقوبات الأميركية فأقفلت عددا من محلات الصرافة المملوكة من إيرانيين بعد إثباتها أنها كانت تُستخدم في غسيل الأموال. يأتي ذلك فيما فُضحت ممارسات جرمية بينها إتجار بالبشر ودعارة وتجارة مخدرات مرتبطة بإيرانيين في العاصمة الجورجية. وفيما بعض البحث يكفي لمعرفة الدور الإيراني في جورجيا يبقى لزاما ربط العلاقة بين إيران وحزب الله ونيترات الأمونيوم حيث تم اعتقال عنصر من حزب الله في قبرص عام 2012 بعد اكتشاف 8 أطنان من نيترات الأمونيوم لديه، وفي أغسطس 2015 تم اعتقال 3 عناصر لحزب الله بالكويت ومعهم 4,2 آلاف باوند من المادة نفسها بحوزتهم، وفي بوليفيا كذلك الأمر إضافة لعملية بورغاس في بلغاريا وصولا حتى ألمانيا التي ضبطت مخزناً لنيترات الأمونيوم مع عناصر حزب الله (تقارير للمخابرات الألمانية) وقد صنّفته إرهابيا في الموازاة.

ما كلّ ذلك إلا ليؤكد أنّ ما حصل في بيروت لا يدحض خطورة الفساد إلا أنّ هذه المرة فهو هجوم إرهابي عبر زرع قنبلة بين المدنيين آتية من إيران ومخزنة لدى حزب لله.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات