ماذا قدمت إيران للفلسطينيين؟

بديع يونس

نشر في: آخر تحديث:

يعيش نصف الشعب الفلسطيني في الشتات. ما يقارب الـ 6 ملايين موزعون حول العالم. في الأردن قرابة الـ3 ملايين من أصل فلسطيني وقرابة نصف مليون في دول الخليج. هذه الأرقام التقريبية مبنية على إحصاءات في الخمس سنوات الفائتة. يحظى الفلسطينيون في الأردن والدول الخليجية بحقوقهم المدنية التي يكفلها القانون الدولي بينها الحق بالعمل والتعليم والطبابة وامتلاك عقار.. ألخ. وفي هذه الدول، وجد الفلسطينيون كما غيرهم من الوافدين سقفاً آمناً ومستقبلا حياتياً كريما وعملا محترماً يؤمن لهم قوتهم واستقرارهم وعائلاتهم تحت سقف قانون كل من هذه الدول. وفي المقابل، مقاربة ملفتة. ففي إيران، لا مواطنينن عرب يمكن ملاحظة أعدادهم (من فلسطين ولبنان والعراق واليمن وسوريا). لم تقدّم إيران لهذه الشعوب إلا "التضامن" قولاً والرصاص والصواريخ فعلاً. استبدلت طهران استقبالها لهم بتصدير رصاصاتها التي قتلت من أبناء هذه الشعوب أضعاف ما أثّرت في عدو إيران المزعوم و"ممانعتها".

دأبت طهران منذ إنشائها "الجمهورية الإسلامية في إيران" في أعقاب الثورة عام 1979 وما تلاها على "الاتجار" بالقضية الفلسطينية المحقّة واستخدامها وقوداً لاستمرارية محورها "الممانع" قولاً لا فعلاً. وبهذه الشعارات والتصريحات العلنيّة المتكرّرة تلعب إيران على الوترين "العاطفي" و"الإنساني".

في الداخل الفلسطيني، قوّضت إيران "الوحدة الوطنية الفلسطينية" والتي استغلها الاحتلال لتكريس احتلاله. غذّت طهران "الجهاد الإسلامي" ضد حركة حماس في قطاع غزة، ثمّ دعمتهما معاً بوجه السلطة الفلسطينية والقوى الفلسطينية الأخرى، وغذّت الشرخ بين غزة والضفة الغربية وعززت التناقضات بين الفصائل الفلسطينية.

وبالعودة للعام 1982 يذكر الفلسطينيون كيف أن إيران لم تحرك ساكنا لنجدة ياسر عرفات المحاصر في بيروت. بل ذهبت ميليشيات شيعية بعد ذلك تابعة لحركة "أمل" ـ التي بايعت الخميني ـ لارتكاب مجازر في المخيمات الفلسطينية، قبل أن يساعد النظام السوري على حدوث أكبر انشقاق في حركة فتح برئاسة أبو موسى الذي انشق عن الحركة وشكل ما عرف لاحقا بفتح الانتفاضة واستقر في سوريا وساعد على حدوث انشقاقات أخرى في الفصائل المنضوية تحت إطار منظمة التحرير.
ولا يخفى دور إيران في تخريبها على الفلسطينيين تفاهماتهم في أوسلو و واي ريفر وواي بلانتيشين من خلال تشجيع الخطاب التنظيري غير الواقعي أو البراغماتي. هذا وسعت طهران للتخريب على التعاون والتنسيق الفلسطيني الأمني عندما أرسلت باخرة محملة بالأسلحة، وقامت هي نفسها بإفشاء سرّها سلفا، فداهمتها إسرائيل في البحر الأحمر ضمن ما سُميت بـ"عملية سفينة نوح" (يناير 2002) وأفرغت حمولتها في ميناء أشدود ليتم استعراضها على شاشات التلفزة الأميركية بشكل ترويجي لـ"اتهام ياسر عرفات شخصيا بالإرهاب" فيما نفى الأخير أي تورط له بها. وبعدها كانت النتيجة "المدروسة" إيرانياً بمقاطعة الأميركيين لياسر عرفات ومحاصرته، لتكون طهران قبل منحت الفرصة السانحة لتل أبيب و"الحجة القوية" لاغتيال القائد الفلسطيني.

إن مواقف إيران الدوغماتيكية وتسويقها "للوعد الإلهي" بتحرير القدس ورمي إسرائيل بالبحر، هي التي قادت تداعياتها السلبية إلى إعلان إسرائيل جهاراً عن سياستها التوسعية وضم هضبة الجولان المحتلة الى أراضيها نهائيا وبناء المستوطنات عليها. وبصيغة تبسيطيّة أخرى، كلّما صعّدت إيران كلامياً بوجه إسرائيل بادرت الأخيرة بالرد "فعلا" على أرض الواقع.

هذا، وتبقى الجغرافيا أكثر الثوابت على مدار آلاف السنوات. "طريق القدس" في الألفية الثالثة ليس "طريق روما" في بداية الألفية الأولى وبالتالي لا "كلّ الطرق" (بخلاف روما) توصل إلى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين. يبدو أنّ إيران اختارت أن تجوب العالم ولا تقترب من القدس إلا بالتصريح والوعيد لمدة "يوم واحد" سنوياً لتجييش النفوس.

إيران وحزب الله وغيرهما من الجماعات المتطرفة مثل تنظيم القاعدة وداعش لاحقاً وجماعة الإخوان قبلاً يجتمعون جميعاً في البروبغندا حول "تحرير القدس".. فحيناً من أفغانستان وباكستان (القاعدة) وحيناً آخر من العراق وسوريا (داعش) ومرّة من سيناء (التكفيريون وجماعة الإخوان) ومراراً من صنعاء (الحوثيون) فيما أقرب المواقع لـ "تحرير القدس" قد يكون من جنوب لبنان حيث حزب الله، إلا أنّ الأخير ترك موقعه في أقرب نقطة إلى القدس وحوّل وجهته إلى سوريا والعراق واليمن ووصلت أوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا ولم يقترب من "تحرير القدس" قيد أنملة. بدلا من ذلك، ترفع إيران مجسما خشبياً لقاسم سليماني وسباب يده موجها نحو الاحتلال الإسرائيلي في الجانب الآخر من الحدود. هي "مسرحية" لا تقل هزليّة عن تلك التي تستخدمها إيران وحزب الله في الخطابات الرنّانة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.