العقدة التركية من السلاجقة إلى لوزان 23

حسن أبو طالب

نشر في: آخر تحديث:

فى الثلاثين من أغسطس المنصرم، والذى يوافق ذكرى معركة «ملاذكرد» التى انتصر فيها السلطان ألب أرسلان 1071 على الدولة البيزنطية، بمساعدة عشرة آلاف من المقاتلين الأكراد، نشر أحد النواب المقربين من الرئيس أردوغان خريطة للدولة السلجوقية، تضم أجزاء من اليونان والبرتغال وأرمينيا. نشر الخريطة وذكر معركة «ملاذكرد» وتجاهُل الدور الكردى فى هذا التوقيت له بُعدان: الأول أنه مناسبة وطنية تركية، والثانى التطورات الجارية مع اليونان والنزاع حول حدود المنطقة الإقليمية لكل منهما فى شرق المتوسط من جانب آخر، والرسالة هنا أن تركيا يمكنها أن تهزم اليونان مثلما فعل الأجداد. وفى إطار الاحتفال القومى ذكّر أردوغان مستمعيه بأنه وحكومته مصممون على أن يأتى العام 2023 وتركيا دولة قوية لا تتنازل عن حقوقها الإقليمية. التصريح الرئاسى ونشر الخريطة لدولة قديمة جزء من الأتراك يعتبرونها الأصل الذى تفرعت منه السلطنة العثمانية لاحقاً، والتذكير بمعركة تاريخية انتصرت فيها قبائل الأجداد، كلها أمور مترابطة وتعكس الاستراتيجية التركية فى تعبئة الأتراك، لا سيما الأجيال الشابة، لما يسمونه إعادة تصحيح التاريخ، وهى استراتيجية قائمة على التخلص من عقدة تاريخية مرتبطة بمعاهدتى سيفر 1920 ولوزان 1923، اللتين فُرضتا من الحلفاء المنتصرين على السلطنة العثمانية المهزومة فى الحرب العالمية الأولى.
كلتا المعاهدتين فرضتا إنهاء الدولة العثمانية، فسيفر فرضت التخلى عن الولايات والأراضى جنوب وشرق السلطنة، وتغيير حدودها ووضع بعضها تحت الانتداب البريطانى والفرنسى بوصاية من عصبة الأمم آنذاك. كما تضمنت قيوداً على موارد الدولة العثمانية، وتحديد عدد جنود الجيش العثمانى بـ50 ألف جندى مع حظر الحصول على قوة جوية.
تاريخياً أيضاً ظهر كمال أتاتورك فى هذه المرحلة، وقاد انقلاباً على الخليفة العثمانى وتواصل مع الحلفاء بغية تدعيم مركزه فى مواجهة السلطان، واعترف بحق فرنسا فى بلاد الشام الشمالية، واتفق على تعيين الحدود بين تركيا وسوريا، فاعترفت به ممثلاً لتركيا، وتنازل لروسيا عن المناطق المتنازع عليها فاعترفت به، وأمدته بالسلاح لمواجهة اليونانيين الذين انتصر عليهم وتم طردهم من إزمير. وبضغط من البريطانيين تنازل الخليفة عن العرش وأُبعد خارج البلاد، ثم أُلغيت السلطنة وأصبح أتاتورك هو القائد المعترف به فى تركيا، وبعد مفاوضات شاقة مع الحلفاء لإعادة النظر فى معاهدة سيفر، وفى نوفمبر 1923 عُقدت معاهدة لوزان ومدتها 99 عاماً، بعد أن قبل أتاتورك الشروط البريطانية وأهمها إلغاء السلطنة والتزام الأتراك بالعلمانية وبقاء الموصل بعيدة عن تركيا إلى أن يُقر انتماؤها من قبَل عصبة الأمم، مقابل أن تُمنح تركيا الاستقلال، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، وتدويل البوسفور والدردنيل، ونزع سلاح الأراضى الممتدة على جانبيهما، وألا تطالب تركيا بالأملاك السابقة. وقد اختير أتاتورك رئيساً للجمهورية التركية وفقاً لهذه الشروط.
وهكذا رُسمت حدود تركيا الحديثة مع اليونان وبلغاريا، وتخلت عن السيادة عن قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام باستثناء مدن كانت تتبع سوريا مثل أورفا وأضنه وغازى عنتاب وكلس ومرعش، وتخلت عن كافة الادعاءات الخاصة بجزر الدوديكانيز الإيطالية، فى حين تم تحديد الحدود الجنوبية لتركيا بغموض وبحيث يعنى تخليها عن المملكة المتوكلية وعسير وأجزاء من الحجاز (والتى ظلت فيها القوات التركية حتى يناير 1919).
معاهدة لوزان شأنها شأن معاهدة سيفر السابقة كلتاهما أسستا تركيا الحديثة بحدودها الراهنة، والثانية تحديداً تمثل عقدة تاريخية ونفسية للأتراك المؤدلجين دينياً، نظراً لإلغائها ما يعتبرونه الخلافة الإسلامية، وهم يرون أنه لن يكون لها نفس القوة القانونية والحجية على الدولة التركية بعد العام 2023، ومن ثم فمن حق أنقرة أن تعمل على إنهاء أية قيود على تحركاتها الإقليمية من أجل استرداد بعض الأملاك التى تم التنازل عنها عنوة. ومنذ عقد تقريباً تنشر وسائل إعلام تركية ودور نشر أبحاثاً وتقارير حول كيف تتصرف تركيا بعد مرور 99 عاماً على معاهدة لوزان، وبعض القانونيين الأتراك يرون أنه يمكن التحلل من أى قيود فُرضت عليهم، لا سيما ما يتعلق باكتشاف البترول فى المياه الإقليمية، واستعادة بعض الأراضى القريبة.
وفى السياق ذاته، ومنذ حوالى عقد، يبرز جيم كوردنيز، وهو أحد قادة البحرية التركية المتقاعدين، متحدثاً عما يسمى الوطن الأزرق، وهى المياه التى تستحق تركيا السيادة عليها أو ممارسة نفوذ قانونى أو عسكرى كأمر واقع. ويدعو إلى وجود تركى فى البحر المتوسط والبحر الأحمر وبحر العرب والخليج والبحر الأسود وبحر إيجه، ومطالباً بتحديث البحرية التركية لكى تفرض وجودها فى هذه البحار. ويرى كوردنيز أن شروحاته لهذه الفكرة للأجيال الجديدة أدت إلى زيادة عدد المتقدمين للبحرية التركية، ما يعتبره دليلاً على تفهم تلك الأجيال أهمية أن تكون تركيا قوة بحرية كبيرة وذات وزن وتأثير وهيبة.
تركيا على هذا النحو تستعد لإعادة كتابة التاريخ ومناهضة القانون الدولى، وجودها فى شمال سوريا وغرب ليبيا ومحاولات بناء مراكز عسكرية فى عمق الأراضى العراقية شمالاً، والتمدد إلى الصومال على القرن الأفريقى وجزيرة سواكن السودانية والقاعدة العسكرية فى قطر هى نوع من التمهيد لكسر بنود عديدة فى تلك المعاهدة. والتركيز على تذكر أحداث تاريخية ذات مغزى يصب فى عملية الحشد والتعبئة للرأى العام، تحويل آيا صوفيا وكنيسة تاريخية أخرى إلى مسجدين هما خطوات فى الاتجاه ذاته.
التذكير ببعض أحداث مهة فى تاريخ دولة السلاجقة الروم يستهدف التعبئة القومية للأتراك بأنهم قادرون على تكرار تلك الأحداث التاريخية ذات المغزى. فى حين يدرك المؤرخون الأتراك وغيرهم أن تلك الدولة مثلها مثل دول وإمبراطوريات قديمة مر عليها أمراء وسلاطين كُثر، منهم من فتح مدناً وبلاداً عدة، ومنهم من فشل وهُزم فى معارك كبرى، وكلاهما قتل إخوة له، أو انقلب على والده، أو اعتقل وحجز من هم أولى منه بالحكم. كانت تلك تقاليد العصور الوسطى، ولم يشفع للكثيرين منهم إسلامهم فى أن ظلموا الناس وأقرب الأقربين وذوى الرحم. والإعجاب الذى يبديه معاصرون من الأتراك بتلك الدولة وبعض فتوحاتها مقبول إن كان الأمر خاصاً بتذكر اللحظات الطيبة فى تاريج الأجداد، أما أن يتصور هؤلاء أن الظروف الراهنة والسيولة الدولية والتغطية الأمريكية المبطنة للمغامرات العسكرية التركية تتيح لهم استعادة أملاك فقدوها بحكم هزيمتهم الكبرى فى 1918، أو أن الزمن يمكنه أن يعود إلى الوراء قبل ألف عام، فهذا هو الوهم الأكبر.

* نقلا عن "الوطن"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.