عن أميركا ومعركة غينسبورغ

إميل أمين

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

يكاد القدر أن يضحك بملء شدقيه من جراء ما يجري في الداخل الأميركي المحتقن إلى أبعد حد ومدى، لا سيما وأنه على أبواب انتخابات رئاسية غير مسبوقة، معاركها طاحنة، وافقها ضباب، وسماواتها غائمة، مع قدر كبير من هواجس تأثيراتها على مستقبل الاتحاد برمته .

وسط هذه الأجواء المشحونة، تغيب يد المنون عميدة قضاة المحكمة العليا في البلاد، "روث بادر غينسبرغ"، اليسارية التوجه، والتي حازت على احترام كافة أطياف وأطراف النخب السياسية الأميركية، ديمقراطية أو جمهورية .

هنا ربما ينبغي بداية الإشارة إلى أهمية المحكمة العليا في الحياة السياسية الأميركية بمستوياتها الثلاثة، التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، فهي أعلى هيئة قضائية في الولايات المتحدة، أي أنها المرجع الرئيس الذي يحتكم إليه الأميركيون في حالات نشوب نزاع عميق لا تقدر المحاكم الاعتيادية على حسمه .

تتكون المحكمة العليا للولايات المتحدة من رئيس وثمانية قضاة معاونين، يعينهم رئيس الجمهورية، ويؤكدهم بمشورة وموافقة مجلس الشيوخ، أي التصويت بالأغلبية على أي مرشح، وتستمر عضوية القاضي المعين مدى الحياة ولا تنتهي إلا عند الوفاة أو الاستقالة أو التقاعد أو الإدانة .

على أن أهمية المحكمة العليا تنبع بنوع خاص من امتلاكها دستوريا المقدرة على قول الكلمة الفصل في كافة القضايا الاجتماعية الكبرى، لاسيما التي ينقسم الأميركيون من حولها، وفي مقدمها الإجهاض، وحق الأقليات، وحيازة السلاح، وعقوبة الإعدام وغيرها .

ولعل الشعب الأميركي يتذكر بنوع خاص ما قامت به المحكمة العليا في النزاع الذي عرفه الأميركيون خلال انتخابات الرئاسة عام 2000 بين المرشح الجمهوري بوش الابن، وغريمه الديمقراطي آل جور، والتي انتهت لصالح جورج ووكر بوش .

المثير في المشهد أن أعضاء المحكمة العليا بدورهم منقسمون ما بين اليمين واليسار، كما حال أميركا في أوقاتنا المعاصرة ، الأمر الذي يجعل من التركيبة الفكرية لأعضاء المحكمة وزنا بالغ الأهمية، ذلك أنه يمكنهم أن يرجحوا كفة القضايا المحافظة حال وجد قضاة محافظون، أو يميلوا إلى كفة النيوليبرالية بكل ألوانها المتحررة من الالتزامات الأخلاقية إن أرادوا ذلك، وكما فعلوا في مسالة إباحة العلاقة المثلية .

هل سيعين الرئيس ترمب بديلا عن القاضية الراحلة على الرغم من زخم وصخب السباق الانتخابي الدائرة عجلته هذه الأيام؟

نهار السبت الفائت التاسع عشر من سبتمبر أيلول، كشف الرئيس ترمب عن عزمه التحرك سريعا في تسمية البديل، وبرر ذلك في تغريدة له قال فيها: " إن تسمية قضاة لهذه المحكمة هو "القرار الأهم" الذي ينتخب من أجله الرئيس الأميركي، كما أن تسمية قاض بديل لغينسبرغ، واجب علينا المضي به دون تأخير .

من عند هذه الجزئية اشتعلت المعركة، فالديمقراطيون لا يريدون لترمب أن يقوم بتعيين بديل جديد، حكما سيكون من أنصار اليمين المتشدد، الأمر الذي يجعل من القاضي الجديد قيمة مضافة تزخم فرص ترمب، لا سيما وأن الجميع في الداخل الأميركي يتوقع اللجوء إلى المحكمة من جراء الخلافات التي ستنشب حكما بعد الاقتراع، وقضية التصويت عبر البريد على رأس مسببات الصدع الأميركي القادم والقاتل للنسيج المجتمعي الأميركي .

معا علا صوتهما، باراك أوباما وجوزيف بايدن، عبر تصريحات صحافية قالا فيها " يجب على الناخبين اختيار الرئيس وعلى الرئيس اختيار قاض لينظر فيه مجلس الشيوخ ".

وبالنظر إلى المعركة الانتخابية الدائرة بقساوة شديدة في الولايات المختلفة هذه الأيام، يتعجب الكثير من الأميركيين من المواقف الفجة لأوباما، إذ إنه لم يتدخل رئيس سابق في مسار ومسيرة انتخابات خلفه، كما يفعل أوباما، ومن هنا يقطع الكثير من المراقبين بأن ولاية بايدن لو فاز، ستكون بمثابة ولاية ثالثة لأوباما، وهو من سيدير المشاهد من وراء الكواليس، وربما سيرسم الخطوط ويشبك الخطوط الخاصة بالسياسات الخارجية الأميركية، الأمر المرشح بنوع خاص مع ما يروج من إصابة بايدن بسنوات الخرف الأولى .

إحدى جوانب المعركة التي تواجهها إدارة ترمب تتمثل في الوصية التي تركتها القاضية الراحلة، ذلك أنه وحسب ما أوردته إذاعة "إن بي آر"، فإن "غينسبرغ قد أفصحت عن وصيتها الأخيرة لحفيدتها كلارا سبيرا، وأوصتها بأن أعز أمنية لديها هي عدم تبديلها طالما لم يؤد رئيس جديد اليمين الدستورية ".

لا يمكن القطع بمدى صحة هذا الحديث، غير أنه وفي كل الأحوال أضحى خنجرا في أيدي الديمقراطيين، يستخدمونه كآلية ديماجوجية لإثارة الشارع المستثار من الأصل، وشحن جماعات العنف المتحفزة لتفعيل الصدام على الطرقات الأميركية .

الجمهوريون من ناحيتهم يؤيدون ترمب، وهذا ما عبر عنه رئيس لجنة العدل في مجلس الشيوخ، السيناتور "ليندسي غراهام "، القريب من ترمب، والذي أشار إلى تفهمه لما يود صاحب البيت الأبيض أن يفعله .

على أنه قد لا يكون من اليسير في الأسابيع القليلة المتبقية على 3 نوفمبر، موعد الإقتراع الرئاسي أن يمضي ترمب في اختياره لمن يود، ذلك أنه وعلى الرغم من أن الجمهوريين يمتلكون 53 مقعدا من أصل مئة في مجلس الشيوخ، إلا أن بعض الجمهوريين المعتدلين الذين يواجهون انتخابات شديدة التقارب قد لا يشاركون في التصويت، ومع ذلك تعهد "ميتش مكونيل" زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، بالمضي قدما في إثر خطوات ترمب وإرادته تعيين بديل محل القاضية غينسبرغ .

هل سينجح ترمب في الربع ساعة الأخيرة في تغيير التوازن الأيديولوجي داخل المحكمة العليا، والتي يحظى المحافظون فيها بواقع 5 مقابل 4 حال تعيينه عضوا جديدا يميل أكثر إلى ناحية اليمين؟

كل الاحتمالات مفتوحة أمام ساحة صراع إرادات أميركية جديد، وإن كانت علامة الإستفهام الأكثر إثارة لقلق علماء الاجتماع في الداخل الأميركي اليوم ..." إلى أين تمضي روح أميركا المنقسمة في داخلها، وهل ستكون انتخابات الرئاسة 2020 حجر زاوية جديد في البناء الديمقراطي الأميركي التقليدي، أم حجر عثرة تحطم عليه ديمقراطيتها أول الأمر؟.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.