عاجل

البث المباشر

هل تراجع أردوغان؟

سحبت تركيا سفينة البحث والتنقيب «أوروتش رئيس» من المنطقة المتنازع عليها مع اليونان، وجاء ذلك عقب زيارة وزير الخارجية الأمريكى بومبيو للعاصمة القبرصية، حيث أعرب عن قلق واشنطن البالغ تجاه التحركات التركية شرق المتوسط، كما حث الوزير الأمريكى على وقف كل الأنشطة التركية التى تثير التوتر داعيًا جميع الأطراف إلى توخى السبل السلمية. وإذا كان المتحدث الرسمى باسم الحكومة اليونانية اعتبر هذا أنه خطوة إيجابية، فإن وزير الدفاع التركى خلوصى أكار أكد أن سحب السفينة لا يعنى تراجع أنقرة عن حقوقها.

وفى الواقع أن التحرك الأمريكى لم يقتصر على هذه التصريحات المعلنة من قبرص، بل ربما يكون الأهم ما سبقها من رفع واشنطن القيود عن بيع قبرص معدات عسكرية، منهية حظرا أمريكيا عمره أكثر من ثلاثة عقود، كان هدفه آنذاك منع سباق التسلح بين شطرى قبرص، وجهود توحيد قبرص، كما كان فى الحقيقة يتضمن قدرا من الانحياز للحليف التركى بأهميته الجيواستراتيجية فى المواجهة ضد السوفييت آنذاك. ولكن الأحوال تغيرت، وتراجعت أهمية أنقرة نسبيًّا، وتنبهت واشنطن إلى أن سياستها السابقة أدت الى تقارب قبرصى روسى مطرد، لم يفرضه تجاهل واشنطن لقبرص فى السابق ولا أهميتها فى المتوسط فقط، وإنما أيضا روابط بين البلدين من انتماء مشترك للكنيسة الأرثوذكسية، وكنتيجة لتنبه واشنطن لخطورة الاستمرار فى دفع قبرص تجاه موسكو- والتى كانت قد وصلت إلى مناح متقدمة، عبر عنها منح وزير االخارجية الروسى سيرجى لافروف أعلى وسام قبرصى- أصدر مجلس الشيوخ الأمريكى قرارا العام الماضى أعده نواب عن الحزبين الديمقراطى والجمهورى يدعو لإنهاء حظر السلاح عن قبرص، وقد تضمن رفع الحظر مؤخرا قيودا على بعض التقنيات الحساسة فى قبرص التى تمنع الجزيرة من تقديم تسهيلات للسفن الحربية الروسية، علما بأن قرار وقف الحظر لمدة عام تضمن رسالة واضحة لقبرص بأن شرط هذا وقف الأاندفاع تجاه موسكو. وفى جميع الأحوال أاستقبلت أنقرة القرار الأمريكى الشهر الماضى بالقلق ووصفته بأنه يسمم جو السلام والاستقرارفى المنطقة، وهددت بإجراءات للرد على القرار الأمريكى.

بالمجمل لدينا موقف أمريكى حاسم ضد التصرفات التركية، وموقف أوروبى هدد تركيا بوضوح، ولكنه يفتقد القدرة على التأثير، وضجة فرنسية عالية ضد السياسات التركية العدوانية، وتحركات جديدة من ائتلاف بعض دول جنوب المتوسط، وربما لولا محاولات ألمانيا للتوسط بناء على بعض مظاهر الحياد لكان الموقف الأوروبى أسوأ بكثير بالنسبة لتركيا، كل هذا يجعل التراجع التركى منطقيا.

ولكن المعضلة مع أردوغان التى يكشفها تحليل سلوكه السابق، وخاصة مع تصاعد ميوله وتوجهاته الإمبراطورية الوهمية، أن الأرجح أن هذا التراجع تكتيكى وليس جادا بعد، فالشواهد تشير إلى أن دوافع أردوغان محملة بنزعة دوجماتية تخلط النزعة التوسعية والأيديولوجية الموظفة للدين فى نسيج معقد، يزيده تعقيدا نزعة عدوانية تجاه أى عرقلة لمشروع أردوغان تجد جذورها فى الثقافة السياسية التركية، ورغم أن كاتب هذه السطور من الذين عارضوا فكرة الصورة النمطية عن الشعوب لأسباب ثقافية ومن خلال مشاهدات عملية، إلا أنه من الصعب تجاهل هذا البعد فى السلوك التركى السياسى والعسكرى تاريخيا، ولا فى مظاهر وردود فعل أردوغان على عرقلة مشروعاته الإقليمية، وحالة التمدد الإقليمى الواضحة حاليا، وتحديدا فى سوريا والعراق وليبيا ومياه البحر المتوسط. إلا أن أردوغان شعر بتصاعد الرفض والتكتل الإقليمى والدولى ضده، حتى بدا يخشى تحول موقف الوسيط الألمانى، الذى لا يزال يمارس قدرا كبيرا من ضبط النفس والتحمل، كوسيلة للحفاظ على تماسك الحلف الأطلنطى من ناحية، ومن ناحية أخرى تحسبا من تداعيات انهيار تركى، ستكون له نتائج اقتصادية واجتماعية خطيرة أوروبيا، ولكن حتى هذا الوسيط قد يحول موقفه نتيجة تواصل الضغوط الفرنسيية واليونانية، ومن ثم جاء هذا التراجع التركى، على أمل أن تنجح الوساطة الألمانية فى إيجاد مخرج مناسب لتركيا من ورطة عزلتها والخناق عليها الذى ما كان سيحدث إلا نتيجة عدوانيتها وسياساتها التوسعية، واقتصار أدواتها على التهديد والابتزاز والعدوان.

أختتم بأنه من الضرورى أن تكون استراتيجية مواجهة سياسات أردوغان شاملة، لا يكفى تسوية ما للإشكالات الحدودية البحرية بمعزل عن سياسات التدخل العسكرى فى المنطقة، فيجب أن يتم إلزام أنقرة بالتراجع عن نهج اللجوء للقوة العسكرية لتحقيق أطماعها ومصالحها الخارجية، وأن تعترف بأسس الاتفاقية الدولية للبحار كأساس لقبول مواءمات من جانب جيرانها لمراعاة مصالحها، عندئذ سيصبح من الممكن الاطمئنان إلى هذا التراجع التركى وأنه ليس مناورة للالتفاف من جهة أخرى.

* نقلا عن "المصري اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات