عاجل

البث المباشر

الفرصة الحرجة للنافذة المفتوحة بدأت تضيق سريعا في العراق : الامن اولاً وأخيراً

العبارة الواردة في شهر آذار / مارس 2020 عنوان المقالة تعود إلى الممثلة الخاصة للامين العام للامم المتحدة ورئيسة مكتب الامم المتحدة للمساعدة في العراق السيدة جنين بلاسخارت التي اشارت بوضوح عند أحاطتها الاعضاء ال 15 في مجلس الامن إلى أن العراق على مفترق الطرق مايفترض أن يقود إلى مستقبل آمن ومزدهر برغم من مجابهة الداينمية السياسية المعقدة للعراق والتي تترافق مع أصداء وتداعيات حرب داعش من جهة وضرورة بناء مؤسسات أمنية رصينة تلبي إحتياجات اساسية للشعب العراقي على رأسها حمايته أمنيا واقتصاديا وإجتماعيا من المخاطر الداخلية والخارجية معا .

بلاسخارت أكدت أن القادة السياسيين في العراق إمام فرصة فريدة حقا إما ان يقفوا عاجزين عن التصدي للمهام الوطنية الموكلة إليهم او يضعوا أنفسهم في خدمة أبناء شعبهم؟.

تقديري انهم لم يفقهوا الرسالة جيدا على الاقل حتى كتابة هذا المقال ، مع إننا امام نقطة حرجة في مسار العملية السياسية . كتاب الفه مالكولم كلادويل بعنوان "النقطة الحرجة للتاثير- The Tipping Pointاشار إلى إمكانية التوصل لمرحلة حاسمة من خلال مواكبة خطوات صغيرة مهمة تتمثل بــ " أفكار ، توجهات ، أوأنماط لسلوكيات إجتماعية " او حتى سياسية يمكن أن تعدل مسار اوهيكلة مرحلة نعيشها .ضمن هذا التصور يمكن القول بإن تغييرا حكوميا جديدا تمثل بتسلم السيد مصطفى الكاظمي منتصف عام 2020 زمام امور السلطة التنفيذية والقيادة العامة للقوات المسلحة قد فتح نافذة للتفاؤل النسبي بأتجاه إحداث الاصلاحات الجذرية في المحيطين الداخلي والخارجي إلا أن الوقت الراهن في عرفنا لازال حرج جدا ولايمكن تصور حدوث لحظة تغيير سحرية Magic Momentبإتجاه تشكل دولة المواطنة – المدنية إلا عقب تغييرات مؤسسية هيكلية جذرية . السبب يرجع إلى تداعيات جائحة كورونا من جهة وتراكم وتصاعد حدة الازمات الامنية – الاقتصادية والاجتماعية ، الامر الذي تستوجب إيجاد حلول عملية ورصينة. شخصية الكاظمي قد توحي بمثل هذة النظرة التفاؤلية كونها تتميزبجملة سمات منها : روح وطنية ، نزاهة وتواضع يقربه من الشارع العراقي وكونه لايتبع حزبا سياسيا بعينه برغم من توفر توافق مهم من قبل التكتلات السياسية الرئيسة حوله (الفتح وسائرون) .

قد يصدق البعض قولا إننا امام الفرصة الاخيرة لإجراء الاصلاحات الجوهرية السريعة المتطلبة جيوستراتيجيا (سياسيا – أمنيا – إقتصاديا – أجتماعيا - ثقافيا "صحيا وبيئيا" وفي مجالات مهمة لإعادة بناء البنى التحتية خاصة عقب تفاقم الجائحة التي لازالت تحصد المئات من شعبنا. أنما يعقد ويربك كثيرا المشهد العراقي أن أزمات العراق المركبة ترجع اساسا للتاثيرات السلبية التي تمارسها تكتلات سياسية – حزبية متعددة تشرع وجودها وسلوكها وإستثمارها لموارد الدولة الضخمة من خلال "المحاصصة السياسية المقيتة"ما يوفر لها مكاسب جيوسياسية- إقتصادية سبق وأن احتكرتها بصور وبإشكال مختلفة منذ عام 2003 ولحد الان. وضع كهذا ادى ولازال لترد واضح في اوضاع العراق الاستراتيجية مؤججا وضاعفا من سوء الخدمات الاساسية (كهرباء ، ماء وصرف صحي وغيرها) وتهالك في البنى التحتية للمواصلات والنقل وغيرها من مجالات حياتية حيوية تشمل كل العراقيين تقريبا. الحالة العراقية الراهنة تنتظر بفروغ الصبر كما يقال "الفرج"ليس فقط من خلال طرح خطة جيوستراتيجية شاملة ذات أهداف متكاملة داينمية توصل الى مرحلة التمكينphaseEmpowerment للعراق بل تتعدى ذلك إلى ضرورة الاخذ بزمام المبادرات والمقترحات المهنية الفاعلة - المؤثرة Launching Effective Initiativesللتغيير الايجابي المبدع في حقول الحياة المختلفة كي تعيد للعراق دوره الحضاري وهيبته الدولية باعتباره دولة مؤسسات وليس دولة شخوص واحزاب وتكتلات همها نيل مصالحها الضيقة وتعظيم مكاسبها المادية على حساب السيادة والمصلحة الوطنية العراقية . وهنا يمكننا القول ان مفهوم المصلحة الوطنية او القومية National Interestرغم أهميته ليس من السهولة تحديده أكاديميا حيث لايوجد تعريف دقيق له كونه يغطي مضامين متنوعة لايمكن معها إيجاد منطقة وسطى ملائمة تتلقي حولها الرؤى والمصالح المشتركة . الشئ الاساسي الذي يمكن تأكيده ان المصلحة الوطنية مفهوم مرتبط بالشعب مصدراللسلطات وبالوطن ملاذا آمنا للعراقيين جميعا.. ترتيبا على ذلك، العراق ليس بعيدا عن دروس لابد من استلهامها من أفكار ومبادرات مرحلة التأسيس الصعبة لدولة فتية تسنم حكمها الملك فيصل الاول حيث أدار ازماتها بحنكة وحزم مكن العراق من تحقيق استقلاله السياسي في مرحلة لاحقة واضعا جذور بناء عراق جديد . ضمن هذا السياق صاغ الملك الباني للعراق فيصل الاول مذكرة مهمة نشرت في بداية الثلاثينات من القرن الماضي اسهمت في تشخيص واضح وحقيقي للواقع العراقي المعقد الملئ بالتحديات وضعا حلولا واقعية اعتبرت ضرورية لإنهاء بعضا من مآساة شعبنا العراقي مشكلة نافذة حيوية لتغييرات اصلاحية ملموسة أمنيا– اقتصاديا ومجتمعيا شاملة في ابعادها. ماقاله فيصل الاول قبل الولوج بخطة الاصلاح : " قلبي ملآن آسى ، أنه في اعتقادي لايوجد في العراق شعب عراقي بعد ، بل توجد تكتلات بشرية خالية من اية فكرة وطنية ، مشبعة بتقاليد واباطيل دينية ، لاتجمع بينهم جامعة، سماعون للسوء ، مستعدون دائما للانتفاض على أية حكومة كانت". ترتيبا على ذلك اعترف ايضا بإن "البلاد العراقية – تعد- من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية ، ذلك هو الوحدة الفكرية والملية والدينية". ومن منظور مكمل لم يكتف فيصل الاول بتشخيص الداء بل اقترح صيغة حيوية يمكن تطويرها وصولا للدواء الشافي ممثلة بذلك جهدا استثنائيا نحو تشكيل "وفقا لرأيه": " شعبا نهذبه وندربه ونعلمه ."مقرا بمدى الصعوبة التي تكتنف القيام بمثل هذا الجهد الوطني الخلاق .

أخالني بالقول ان مثل هذه الصعوبة لازالت متجسدة في محيط نظامنا السياسي ما دفع بفئات شعبنا وخاصة الشباب بتشكيل ظاهرة وطنية حقيقية لم يعرفها العراق منذ ثورة العشرين جسدت -من خلال استمرار الثورات التشرينية للشباب والشابات- حالة إيجابية نهضوية تنويرية بالضد من كل انواع المحاصصة المقيتة التي تجذرت في إطار مايعرف بالحكومة العميقة او الموازية Parallel Government واضعة أمن البلاد على المحك . وضع العراق الراهن لم يخرج كثيرا عن ما اشار اليه فيصل الاول في أقتباس له واصفا بؤس ومدى خطورة استمرار الواقع العراقي حينئذ : "بعثرة القوى ، منقسمة على بعضها ، يحتاج ساستها أن يكونوا حكما ، مدبرين ، وفي عين الوقت أقوياء مادة ومعنى ، غير مجلوبين لحسيات ، أو أغراض شخصية أو طائفية أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة ، والقوة معا، على جانب كبير من الاحترام لتقاليد الاهالي ، لاينقادون إلى تأثرات رجعية ، أو إلى أفكار متطرفة تستوجب رد الفعل". لست بمعرض التعمق في ذكر ملابسات وتقاطعات الرؤى والمصالح للمكونات العراقية مذهبيا وعرقيا وجهويا حيث شخصها بدقة الملك المؤسس في مذكرته المهمة والتي قد تفضي الى مقولة أن التاريخ قد يعيد إنتاج ذاته بصورة من الصور . اقول وبرغم ذلك نحن في وضع يقتضي تجاوز سلبيات الماضي دون التنكرللاستفادة من دروسه الايجابية على رأسها ضرورة بل حتمية الوحدة الوطنية العراقية وتأسيس دولة المؤسسات التي تعتمد على تلازم وتفاعل الامكانات المدنية والعسكرية معا تعزيزا لإهمية نشر ومد السيادة الوطنية للدولة على كافة أرجائها بالتزامن مع توفر قدرات أمنية وعسكرية مناسبة بهدف إحقاق تفوق الدولة على كافة المليشيات والعصابات والعشائر التي لازال بعضها يخوض انواعا من الصراعات العشائرية البينية والتي تتباين في درجة حدتها مع السلطة الوطنية - المثال : البصرة وبعض المحافظات في الوسط والجنوب -. جدير بالذكر أن قطع السلاح ايام الملك فيصل الاول لدى العشائر مائة الف بندقية مقابل خمسة عشر الف بندقية حكومية ، اما اليوم فإن الارقام الواردة غير المؤكدة تشير إلى ان لبعض العشائر سلاح متنوع "خفيف ، متوسط وثقيل" يصل إلى ملايين من قطع "السلاح المفلت"؟؟ .

اليوم العراق ومن منطلق وضرورة تأسيس دولة قانون وعدل بحاجة حقيقية لخطة استراتيجية وطنية تهدف لجمع كل انواع السلاح مهما كانت تبريرات وجوده منعا لإستفحال الخروج غير القانوني على ارادة الدولة ونشر حالة اللادولة NON-STATE ACTOR. تصوري انه طالما استطاعت الدولة مجابهة ارهاب داعش بكفاءة ومهنية فأنها بحاجة لصولات اضافية للقضاء على كل العصابات والملييشيات المنفلتة التي تقتل وتخرب وتغتال خيرة شبابنا وشاباتنا. العراق بحق امام مفترق خطير لابد من تجاوزه بحكمة بما يقتضي من فرض سلطة القانون بحزم وصرامة واضحة ما يؤدي لإستعادة هيبة الدولة التي اصابها الكثير من التصدع بصورة اوصلت البلاد إلى حافة الانهيار أو الفشل ليس فقط امنيا بل واقتصاديا ومجتمعيا بل والادهى ثقافيا واخلاقيا "قيميا". موقف إن تمكنت القيادة العراقية من مواجهته من موقع المسؤولية الوطنية التي تجمع ولا تفرق وتمد الاتصالات مع كافة الفرقاء المعنيين حقا بحماية العراق وشعبه الابي - بإستثناء كل من اوغل في الارهاب ، الفساد والاستهانة بحقوق الانسان وحرياته الاساسية- سنصل يقينا إلى بر الامان والامن مسالة ليس من السهولة تحققها في زمن قصير نسبيا ، اللهم إلا إذا طبقنا ما ورد في كتاب "النقطة الحرجة" من إتخاذ خطوات صغيرة فاعلة مثل إنتاج لقاحات طبية ناجعة تنهي او تحتوي مخاطر انتشار سريع لفيروس كورونا وغيره من فيروسات أخرى مجتمعية – سياسية – إقتصادية تنقل عدواها متسترة برداء الدين أوسائرة وفقا لإفكار وتقاليد بالية لاتتوافق مع الثقافة السلمية – الحضارية الاصيلة للعراق وبالتالي تحتاج لإفكار ومقترحات إبداعية تتوافق مثلا مع مسار الاقتصاد الرقمي والسايبري Cyber-economics وغيره من نتاج التقنيات الحديثة. إن إعتماد سلطة القانون والعدل الاجتماعي بالتوافق مع مسار "نهضة عراقية شاملة تنويرية – إصلاحية"هو جزءا من الحل المنشود لمستقبل عراقي آمن ، زاهر ومرفه لكل شرائحه وأطيافه . ولعل زيارات الكاظمي لدول مهمة في المحيطين الاقليمي (ايران وغيرها ) والدولي (الولايات المتحدة وغيرها) يعول عليها إن إحسن تطبيقها وفقا لإدارة رشيدة تنهج نهجا وطنيا خالصا.

نقلاً عن "المدى"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات