عاجل

البث المباشر

السعودية في عامها التسعين... الإمكانات والتحولات

تمر الذكرى التسعون على تأسيس الدولة السعودية الثالثة وسط تحولات عاصفة شهدتها المنطقة كانت فيها السعودية مؤثرة وفاعلة. لطالما عبرت سياساتها بشكل أو بآخر عن روح وأفكار المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود الذي بنى دولته بعد معارك ضارية ليضع أمام العالم نموذجاً للتوحيد ندر مثيله بأرضٍ تشبه القارة بصحرائها وسواحلها وجبالها وهضابها وأوديتها. إنه نموذج فريد في تاريخ الشعوب، استطاع كسب ولاء طوائف عديدة وثبتهم على أمرهم وحمى كياناتهم، فكانت هذه الدولة المتعددة والحيوية والمساهمة في تأسيس نماذج السلم بهذه المنطقة من العالم.

وتمر هذه الذكرى على السعودية والقيادة بيد الملك السابع سلمان بن عبد العزيز، أكثر أبناء الملك عبد العزيز شبهاً به كما يؤكد أهل السبر والتاريخ، بعدله وإنصافه. استأنفت السعودية معه مشروعها القيادي، ليس لحماية حدودها فقط، وإنما لتجديد النموذج السعودي المألوف ضمن معادلة المحافظة على الأصل والتفاعل مع الحديث المباح والجديد المفيد المتاح، مما يشجع الآخرين على تجاوز الانكفاء والإضراب عن خوض غمار التجارب.

ولما كانت المنطقة المحيطة رهينة للاحتلال الأصولي المدعوم بمدد لا حد له من النظام الإيراني المارق والممول من النظام القطري والمعزز من الفيالق الإخوانية التركية، كانت الضرورة الملحة انبعاث قائد فذ استثنائي يمكنه تأسيس جبهة صلبة لردع هذا الخراب، فكان من منن الله أن جاء الأمير محمد بن سلمان بمشروعه التنموي، ورؤيته الحية، وأفقه الحضاري ليجدد أحلام الناس ويرفع سقف توقعات الشعوب، أخذ على عاتقه تأسيس تحالفات قوية، ووضع خططاً استراتيجية قريبة المدى وأخرى بعيدة المدى أثرها يستهدف عدة أجيال.

كلما أتيحت الفرصة للجيل الشاب في البرامج والمؤتمرات والندوات يأتي اسم محمد بن سلمان بمثابة الروح الملهمة، ومشهورة هي الفيديوهات التي يطالب بها العرب بقائد قوي ومقدام يحافظ على الدولة ومكتسباتها، وهذا بحد ذاته يمثل علامة نجاح باهر للمشروع الذي يقوده، والمجال متاح للعرب والمسلمين إن أرادوا الاستفادة من الرؤى والمشاريع التنموية السعودية.

يمر اليوم الوطني السعودي وذكرى التوحيد وأخبار الحملات على الفساد لم تتوقف، محاسبة شديدة للأمراء والوزراء ورجال الأعمال وكذلك للمديرين والموظفين بمختلف القطاعات، والحرب على الفساد أثمرت إيجابياً على سمعة المملكة في مجالات الاستثمار، كما أن الميزة الأساسية لهذه الحملة أنها لم تستثن أحداً بناء على مركزه أو اسمه أو لقبه، كل من ثبت تورطه أخذ الجزاء الرادع، وهذه الحملة لا مثيل لها في المنطقة على الإطلاق.

ومن الطبيعي أن تكون الجهود مرمى حجر للمتطرفين والمتربصين، البعض عدو ما يجهل، والبعض الآخر يخاف من التحديث والتجديد من دون مبرر يذكر، وهذا لا يقتصر على النموذج السعودي الحالي بل واجه الملك عبد العزيز أمثال هؤلاء.

يذكر خير الدين الزركلي في كتابه: «الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز»، وفي فصلٍ بعنوان: «إكباره للعلماء وأساليبه في الإقناع»، كيف خاض الملك جهوداً كبرى لإقناع البعض بأهمية التطور والأدوات الحديثة والوسائل المباحة المفيدة، كما حاول الملك عبد العزيز إقناع المشايخ بأن «استخدام الآلات الحديثة كاللاسلكي والتلفون والسيارات، لا حرج فيه من الدين. ومن أشد مواقفه في نقاشهم يوم اتفق جمع منهم على أن دخول الأميركيين (الكفرة) إلى بلاد الأحساء وشواطئ الخليج (مناطق البترول) سيجر معه المفاسد من خمرٍ وفونوغراف وسواها».

يضيف الزركلي نقلاً عن فلبي في تاريخ نجد: «إن أول سيارة دخلت الحوطة (حوطة بني تميم) قد أحرقت علناً في السوق العام، وكاد سائقها أن يلقى مصيرها أيضاً، وما حدث للسيارة حدث للتلغراف، والهاتف، والدراجة النارية، على أن ما لا ينبغي إغفاله، هو أن الملك عبد العزيز كان يعلم أن المرء عدو ما يجهل... بعد أن رسخت دعائم الدولة، كان من اليسير عليه أن يقابل المتدخلين منهم فيما لا يعنيهم بالإعراض، ويتابع سيره فيما يعتقد صلاحه لبلاده، ويأخذ متشدديهم بالزجر». والعجب إشارة الزركلي لبعض من عارضوا الملك عبد العزيز على الاحتفال بمرور خمسين عاماً على فتح الرياض 21 يوليو (تموز) 1950، وبنهاية المطاف يذكر أن الملك في آخر حياته كان يذكر المشايخ بما كان لمواقفه من أثر وتوفيق، وذلك بسبب قمع المتشددين وهداية المسترشدين». (كتاب الوجيز الصفحات: 197 - 198 - 199).

كتب عباس محمود العقاد عن الملك عبد العزيز: «ابن سعود، من أولئك الزعماء الذين يراهم المتفرسون المتوسمون فلا يحارون في أسباب زعامتهم ولا يجدون أنفسهم مضطرين أن يسألوا لماذا كان هؤلاء زعماء، لأن الإيمان باستحقاق هؤلاء لمنزلة الزعامة في أقوامهم أسهل كثيراً من الشك في ذلك الاستحقاق»، وبإنصافٍ يكتب محمود أبو الفتح: «ليس ابن سعود من أعظم رجال القرن العشرين فحسب، بل هو من أعظم رجال التاريخ كله».

لا يمكن للتحديات أن تهزم القادة الشجعان، يعلمون أن التاريخ اختارهم لتشكيل شيءٍ ما، لرسم خطٍ لا مثيل له، لوضع أثرهم الخاص، بهذا الوثب تبني الأمم أمجادها، وتخلق المجتمعات معجزاتها.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة