لماذا لا تركز الأحزاب التونسية على التنمية السياسية

رياض بوعزة

نشر في: آخر تحديث:

يجمع المختصون في دراسة العلاقة بين الأحزاب والتنمية السياسية، بشكل عام، على أن تحديد الوظائف، التي تضطلع بها تلك المكونات الأساسية في الأنظمة السياسية العربية التي جاءت بعد انتفاضات عام 2011، ينطلق من معطى أساسي يتمحور حول الفصل بين ما هو نشاط حزبي وآخر له علاقة بالإطار العام للسياسات التي يفترض أن تساعد في ترسيخ الديمقراطية.

وتبدو تونس اليوم خارجة عن هذا السياق تماما إذ أن الأحزاب السياسية لم تفعل حتى الآن ما يساعد على ترسيخ مبادئ التنمية السياسية، إذ يفترض أنها وفي ظل النظام السياسي القائم المتكون من ثلاث رئاسيات أن تضطلع بأدوارها في مجتمع يتسم بدرجة عالية من المشاركة السياسية، والقبول بشرعية النظام السياسي والتكامل الوطني، والابتعاد عن السجالات العقيمة التي جعلت الجميع يدور في حلقة مفرغة.

وتعاني القوى السياسية التونسية بداية من الليبراليين مرورا بالإسلاميين وصولا إلى اليساريين من غياب شبه كلي لمفهوم الدولة، وتحتضن بدلا عنها السلطة، فضلا عن ظهور ضعف كبير في المؤسسات السيادية وعدم الاهتمام بمسائل الإصلاح في كافة أوجهها الاقتصادية والدبلوماسية.

ومع أن أزمات النظام السياسي تطال الدول المتقدمة وغير المتقدمة، مع خصوصية لبعض الدول ومنها تونس التي استبدلت نظامها الرئاسي إلى متعدد الرؤوس وفتحت المجال أمام نشاط الأحزاب بشكل أوسع، لكن الأوضاع في الوقت الراهن تحتاج إلى تغيير النظرة النمطية لعملها والانخراط بشكل أكبر في بناء دولة ديمقراطية تحترم مؤسسات الدولة.

وبالنظر إلى تشعّب هذه القضية وانعكاسات نشاط الأحزاب في تونس، فإن التنمية السياسية ستمثل بلا شك مفهوما محايدا وبديلا لمفهوم الديمقراطية الليبرالي، بالإضافة إلى كونها الحل لمشاكل وأزمات النظام السياسي عبر استخدام آليات متعددة مثل الأيديولوجية والثقافة السياسية والأحزاب والإدارة المدنية والمؤسسة العسكرية.

وتحقق التنمية السياسية عادة عدة أهداف من أهمها زيادة المساواة وقدرة النظام السياسي وتمايز البنى السياسية كونها أسلوبا سياسيا عصريا مع تحقيق بنية مركزية قانونية وسياسية، وقنوات لتنظيم الصراع السياسي وتعزيز قدرة النظام السياسي على التعامل مع بيئته الداخلية والخارجية.

وعلى سبيل المثال، أفرز قانون الانتخابات ونظام الحُكم الهجين، والذّي يتم فيه تقاسم السلطة التنفيذية بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، برلمانا يتكون من كتل معزولة ومختلّة وظيفيا، حيث فشلت في الاندماج وفي تشكيل هيئة حاكمة فاعلة حيث دخلت في صراعات كبيرة تسببت في تعليق مسار الدولة نظرا للسجالات القائمة على ملفات داخلية وجيوسياسية وحتى اقتصادية.

ولم تسمح السياسة التوافقية للحزب الأول في الانتخابات التشريعية، وهو حزب حركة النهضة الإسلامي، بأن يحكُم بمُفرده بل فرض عليه الدخول في سياسة توافقية حتّى يستطيع تشكيل حُكومة تسهر على مصالح التونسيين، كما هدد هذا الأمر الاستقرار الحكومي حيث تشكلت حكومتان إثر الانتخابات الأخيرة التي أجريت في العام الماضي.

ومن المؤكد أن هذا الخيار كان متعمّدا من طرف القوى السياسية، التي جاءت عقب إسقاط نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في 2011 للقطع مع حكم الحزب الواحد، ولكن ما أفرزه دستور 2014 أوجد عراقيل وعوائق، فقد تبنت الأحزاب المزيد من سياسات التوافق من خلال تشكيل حكومة ائتلاف علمانية إسلامية في 2015 كان طرفاها حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وحركة النهضة.

وقد مضت تونس في تلك السياسة إلى غاية ولادة حكومة هشام المشيشي والذي يقول إن التشكيلة التي اختارها جلّ وزرائها هم من التكنوقراط. ومع ذلك تظهر بين الفينة والأخرى مناوشات بين قادة الأحزاب الذين يحمّل كل واحد منهم الآخر الوصول إلى هذه النقطة كونهم أصبحوا مقصيين من الحياة السياسية ولم يعد لهم أي دور فاعل أو مبررات لوجودهم سوى تعطيل نشاط المؤسسة التشريعية.

ومن الواضح أن هناك تركيزا كبيرا على الإجماع، الذي جاء على حساب قضايا ذات أولوية مرتبطة بالحكم، فالكثير من المحللين يرون أن آليات الديمقراطية التوافقية أضحت تمثل عقبة أمام التحول الديمقراطي والإصلاح السياسي في البلاد. ومن هنا يأتي تسليط الضوء على كيفية اتباع مفهوم التنمية السياسية وإنهاء المناكفات بين الأحزاب، والتي أضرت بشكل بالغ بالناخبين، فهم باتوا ورقة انتخابية فقط في كل استحقاق.

وتحت يافطة سياسة التوافق، تخلت الدولة عن قضايا ملحة، مثل إصلاح أجهزة الأمن ولم يتسن لها اتخاذ إجراءات جريئة بشأن دعم الاقتصاد المترنّح أو حتى تشكيل المحكمة الدستورية، فالصراع حول هذه المؤسسة الدستورية قد يطول لفترة والسبب في ذلك هم نواب البرلمان الذين يشكلون أهم 7 أحزاب رئيسية في البلاد.

لقد أدت تلك السياسة التوافقية، التي يصفها البعض بأنها “عرجاء” ولا تتماشى مع المتغيرات السياسية، إلى تطبيق نظام المُحاصصة الحزبية وملء المناصب بمسؤولين تنقصهم الكفاءة اللاّزمة والوعي السياسي المطلوب، ويفتقرون إلى التجربة في إدارة شؤون البلاد، مما فتح الباب على مصراعيه لتفشّي الفساد والمحسوبية ولم تستطع معه لا هيئة مكافحة الفساد ولا حتى السلطة القضائية تطويق هذه الظاهرة التي لا يمكن أن تحل إلا بإرادة تعتمد في أساسياتها على تحقيق التنمية السياسية.

* نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.