عاجل

البث المباشر

عدلي صادق

<p>كاتب فلسطيني</p>

كاتب فلسطيني

محاولات التحريض على الدولة المصرية

ليس أفدح من أن يخسر أي بلد استقراره، وأن لا يأمَن الناس فيه على حياتهم ومستقبل أبنائهم. ولنا أن نتأمل بتجردٍ وموضوعية، سياقات أي مشروع لإثارة الفوضى والتمرد على الدولة المصرية، لنعرف إلى أين يمكن أن يصل مثل هذا المشروع الذي يتبناه موتورون وساذجون. فهؤلاء يتوهمون أن إسقاط نظام الحكم في مصر، أمر ميسور، وأن الباب إليه موارب، ولا يحتاج لأكثر من دفعة بسيطة باليد، لكي ينفتح على مصراعيه، فيدخل “المرشد”.

إن ترويج مثل هذا الافتراض ليس غريبا على العقليات المتقوقعة في شرانق الحزبية الدينية، التي اتسمت رؤاها بالتبسيط، وبالانعزال عن حقائق الحياة، وبالاحتجاج لنفسها بما لا يُقرّه منطق، وباستسهال دفع الناس إلى أراجيح الموت. فعندما نفتّش بأمانة وواقعية عن استخلاصات منطقية لمشروع التمرد على الدولة، لكي نضع افتراضات لما يمكن أن يصل إليه؛ سنجد أنفسنا أمام احتمالات مؤلمة من شأنها جعل الناس يتمنون الظفر من الغنيمة بالإياب.

كلما أتيح لأحزاب الإسلاميين أن تحشد، طلبا للسلطة؛ كانت بوصلتهم تنحرف وكانوا يتصرفون كأنهم في جانب ومجتمع وطنهم في جانب آخر. وفي العديد من الوقائع، كانوا يلوّحون بقدرتهم على حرق البلد، دونما أي اكتراث لحقوق الناس الملكية والاجتماعية ومصائر الأوطان. بل إنهم سرعان ما يبدأون في شيطنة رموز الدولة حتى عندما تميل إلى التجاوب معهم بقدر الإمكان، وإتاحة الفرصة لهم لنيل حقوق سياسية بقدر حجمهم الحقيقي في المجتمع وليس حجم حشودهم في الشوارع.

في الجزائر، كان الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، متلطفا ومتجاوبا مع طموحاتهم ولا يمانع في دخولهم السباق الانتخابي، لكنه طوال الفترة التي سبقت الانتخابات، تلقى الشتائم البذيئة، في شعارات كبيرة على امتداد الجدران.

ومن هذه الشعارات ما هو مارق عن الدين، كأن يوصف رجل وطني مسلم كان مجاهدا في ثورة بلاده على المستعمر الفرنسي، بأنه حمار، ثم يدفع هذا الرجل نفسه ثمن موقفه الإيجابي معهم، ويضطر إلى الاستقالة!

في مصر، تعرض المجلس العسكري للشيطنة والتخوين، قبل انتخابات يوليو 2012 التي أعلن عن فوز مرشح “الجماعة” فيها. لم يكن المجلس العسكري قد فعل شيئا سوى الإعلان عن تجاوبه مع الشعب، وعلى الرغم من ذلك كان يتعرّض للهجوم في تظاهرات الشارع وفي الشعارات على الجدران.

وإن سُئلت “الجماعة” وقتها، ما الذي تريده من الجيش؟ سيفهم السائل أن ما تريده هو أن يأخذها الجيش من يدها إلى القصور الرئاسية لكي تحكم فورا، بشفاعة ثورة امتطتها وكان لها أسبابها الاقتصادية والاجتماعية. وعندما جرت الانتخابات، سمع جميع المصريين، التهديد بـ”توليع” البلد إن لم يفز مرشح “الجماعة” بالفعل أعلن عن فوزه، بنسبة 51 في المئة وكسور، مقابل 48 في المئة وكسور لمنافسه أحمد شفيق. لكن الغريب العجيب، أن يجري سريعا استهداف الرجل الخاسر، الذي حصل على أكثر من 12 مليون صوت بفارق أقل من مليون واحد عن نتيجة مرشح “الإخوان”، فقد أصبح شفيق مطلوبا للمحاكمة، بذريعة حكاية سخيفة، إذ اتُهم بالمسؤولية عن حصول نجل الرئيس مبارك، على حصة أرض من جمعية الطيارين. كان ذلك بحد ذاته أمرا ينذر بمرحلة إقصاء وانقضاض على المجتمع وعلى معارضي “الجماعة” لأنه يطال رجلا حصل على ما يساوي إلا القليل من عدد أصوات الرئيس الفائز!

من هنا، وبحكم طبائع الأمور بدأت عملية شدّ الحبل، بوقائع يومية، وتأسس العزم على الإقصاء والإقصاء المضاد.

“الجماعة” من جهة، تريد إسقاط الدولة والاستحواذ عليها وليس على فرصة إدارة الحكومة لمدة دستورية، ومن جهة أخرى لدى الجيش الذي استطاع كسب انحياز الشعب له، لإنقاذ الدولة. ونما الغضب الشعبي الذي انفجر في 30 يونيو 2013.

اليوم يعزف إعلام “الإخوان” على مدار الساعة، نغمة “حكم العسكر” وكأن هؤلاء لا يعرفون شيئا عن طبائع الدولة المصرية الحديثة، التي لم تنبعث إلا بفضل العسكري والمحارب الألباني الأصل، محمد علي، الذي بدأ بإقصاء الذيول المحبطة لطموحه، من المماليك والأتراك، وغطى بقوة التنظيم والقدرة على المبادرة، ضعف وضآلة الطيف السياسي في البلاد، ثم دفع بقوة الدولة، إلى فتح أبواب النهضة، والتمهيد لظهور رموزها وحركتها التي جعلت المؤرخ الشيوعي الروسي لوتسكي يشبهها بإصلاحات بطرس الأول، باعتبارها إصلاحات تحمل طابعا تقدميا.

وعندما أصبحت سلالة الرجل من بعده، تتنقل بين الحضن الإنجليزي وصالات القمار، هبّ عسكر وطنيون آخرون واستحوذوا على الدولة في تلبية شجاعة لأمنية المجتمع، بعد انقلاب عسكري في يوليو 1952 أسموه حركة الجيش.

وكان مُنظّر الإخوان القطبيين، سيد قطب نفسه، هو الذي اعترض على التسمية وأسماها ثورة، وشرح أسباب الاعتراض. وقد فعل عبدالناصر ما فعله محمد علي في إقصاء الذيول، تحسسا لظروف وأوضاع الدولة، بحكم أن المرحلة التاريخية، تطلّبت تعويم قوة الحاكم وما تحتاجه وتظهير ما فيه من عناصر الكاريزما الشخصية، وتلك أيسر وسيلة لإنشاء مؤسسة حكم فعالة في ظل حداثة العهد بالدولة آنذاك، أو بالأوضاع التي آلت إليها وجعلتها لا تحتمل العبث.

الدولة المصرية اليوم، مستهدفة من كل جانب، وفي هذه المرحلة وجدت نفسها مضطرة إلى تثبيت دعائم الدولة الحديثة ثم المضي إلى التنمية، بقوتها وببنية تحتية مناسبة ومؤسسة عسكرية قويّة. إن من يحاولون إسقاط الدولة في مصر مغفلون. فالدولة التي تبني جيشا بضخامة الجيش المصري، وتمتلك أحدث الأسلحة والتقنيات، وعددا من الجيلين الرابع والخامس من الطائرات الحربية، لن تكون في متناول “الإخوان” حتى لو كانوا قادرين على إرسال سفينة فضاء تهبط على سطح المريخ.

الأمر عندئذٍ لن يقتصر على قوة النظام والدولة المصرية، وإنما يشمل منظومة من العلاقات الدولية وأوساط التصنيع العسكري والنظام المالي العالمي، والنظام الأمني العالمي، الموصول بالثقافة والقيم الاجتماعية ومصائر دول متنفذة. فليت لدى أردوغان خبيرا ينصحه وينصح أصحابه المصريين والعرب، بأن معركتهم ميؤوسٌ منها حتى لو امتلكوا ألف قناة تلفزيونية.

* نقلا عن "العرب"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة