حمزة المزيني وهجومه الضاري على عمر فروخ

علي العميم

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

في شهر يونيو سنة 2014، كتب الأكاديمي حمزة بن قبلان المزيني المختص باللسانيات والترجمة في جريدة «الشرق» السعودية أربعة مقالات، هي على التوالي: «هل قالها جلادستون؟!»، «لم يقلها جلادستون!»، «هكذا تكلم جلادستون!»، «وأدلة أخرى».
لاحظ الدكتور حمزة في المقال الأول أن العبارة المنسوبة لرئيس الوزراء البريطاني ويليام جلادستون (1809 - 1898) «تُورَد بصيغ عدة في الكتابات الإسلامية المعاصرة، وأشهرها: (ما دام هذا الكتاب موجوداً، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان)».
ولاحظ أنها «لا ترد، بصيغتها الإنجليزية، إلا في مصادر الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب التي تستشهد بها على (بُعد نظر) جلادستون، لشعوره بخطر المسلمين على أوروبا، وهو (كما يؤكدون) ما صدقته الوقائع المعاصرة».
ولاحظ أنها «ترد بصيغها الإنجليزية في كتابات بعض المسلمين بالإنجليزية لتأكيد عداء الغرب تاريخياً للمسلمين».
ولاحظ أن «العبارة ترد بصيغتها المختلفة، بالعربية والإنجليزية، في مئات المقالات الصحافية والكتب البحثية والوعظية من غير عزو أو ذكر للمصدر الذي وردت فيه أول مرة».
أوضح الدكتور حمزة أنه سيكتفي بذكر ثلاثة أمثلة فقط، لورودها في نصف القرن الثاني، بصيغتها العربية، التي لا تعزوها إلى مصدر.
المثال الأول هو كتاب «هل نحن مسلمون؟» لمحمد قطب. وقد لاحظ أنه صاغ العبارة بصيغة تخص مصر وحدها؛ فمحمد قطب قال: «وفي سنة 1882 وقف المستر جلادستون رئيس الوزارة البريطانية في مجلس العموم البريطاني يمسك بيده نسخة من المصحف، ويقول لأعضاء المجلس: إنه ما دام هذا الكتاب باقياً في أيدي المصريين، فلن يستقر لنا قرار في تلك البلاد».
الطبعة التي نقل الدكتور حمزة عنها هذا النص أشار إلى أن تاريخها يرجع إلى سنة 1967.
المثال الثاني كتاب «شرح الطحاوية» لسفر الحوالي، الذي قال إنه أورد العبارة بحسب صيغتها الشائعة عند الإسلاميين. وبخلاف المثال السابق والمثال التالي فإن الدكتور حمزة لم يُشِر إلى تاريخ صدور هذا الكتاب.
المثال الثالث، هو مقال عنوانه «التربية الاستعمارية» نُشِر في مجلة «البحوث الإسلامية» الصادرة عن الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، لمحمود شيت خطاب الذي قال إنه أورد العبارة في مقاله هذا، بهذه الصيغة: «لا يستقر للاستعمار قرار ما دام هذا القرآن يُتلى صباح مساء بين المسلمين، فيجب أن نمزقه لنثبت أقدامنا في البلاد الإسلامية». وقد عرّف بمحمود شيت خطاب بأنه عسكري عراقي اشتهر بكتاباته المؤدلجة عن الفتوحات الإسلامية! وأشار إلى أن مقاله في تلك المجلة نُشِر في منتصف السبعينات الميلادية.
ذكر الدكتور حمزة بعدها أن بعض الكتب والمقالات التي تورد إحدى صيغ العبارة تشير إلى أخذها من مصادر متقدمة على أمثلته الثلاثة. وذكر أن أشهر الكتب التي يُرجع إليها كتاب المؤلف الفلسطيني نبيه زكريا عبد ربه «كيف نحيا بالقرآن»، الذي أشار إلى أنه صادر في سنة 1983.
وقد أخبرنا بأنه إذا ما رجعنا إلى تلك الصفحة في ذلك الكتاب، نجده يشير إلى أخذها عن الترجمة العربية التي أنجزها عمر فروخ لكتاب المستشرق النمساوي المسلم المعروف محمد أسد بعنوان «الإسلام على مفترق الطرق».
الدكتور حمزة حينما اعتقد أنه عثر على بغيته، وهي معرفة المصدر الأول الذي زوَّر العبارة على لسان جلادستون، سأل: «هل وردت العبارة في كتاب محمد أسد حقاً؟ وقد وردت في ترجمة عمر فروخ، ص 43، ضمن كلام محصور بين قوسين مركّنين [ ]، ولم تُنسب إلى مصدر».
إجابةً عن سؤاله هذا، أعلمنا أنه لما رجع إلى كتاب محمد أسد بلغته الإنجليزية للتأكد من وجود العبارة فيه، لم يجدها في الصفحة التي كانت يجب أن توجد فيها. وراح يسأل مرة أخرى: ما سبب وجود هذه العبارة في الترجمة العربية للكتاب وعدم وجودها في الأصل الإنجليزي إذن؟ وما سبب وضعها بين قوسين مركنين؟
وقد قال إجابةً عن هذين السؤالين: أخذتُ أبحث عن ذلك السبب حتى وجدته بشكل واضح في مقدمة المترجم، ص6؛ فهو يقول إن نفراً من المفكرين المشتغلين بقضايا العرب والمسلمين لفتوا نظره إلى نقطتين قيّمتين فيما يتعلق بإخراج هذا الكتاب. ويهمنا هنا النقطة الثانية. وهي كما يقول: «شرح بعض التعابير والآراء التي استغلقت على القارئ العادي». ويصف هذه النقطة بأنها كانت أصعب من النقطة الأولى، ذلك أن الحواشي تكون عادة بحرف صغير جداً، ثم هي فوق ذلك تزعج القارئ بنقل نظره مراراً بين أعلى الصفحة وأسفلها، ثم هي أيضاً (وهذا أكثر أهمية) تقطع على القارئ سلسلة أفكاره. «من أجل ذلك اخترت أن أضم هذا التفاسير والتعاليق في المتن نفسه بعد أن حصرتها بين معقوفتين هكذا: [ ]».
الدكتور حمزة بعد نقله لبعض ما سماه خطأً مقدمة المترجم، وضع علامة تعجب ثم علّق على الكلام السابق قائلاً: «ومع غرابة هذا التصرف الذي لا يقره الباحثون والمترجمون، إلا أن المترجم لم يلتزم به، فقد كتب بعض التعليقات في هوامش بعض الصفحات: 13... كما أنه لم يترجم هوامش المؤلف، كما في هوامش ص14... ويبين هذا أن المترجم، بفعلته هذه، لبّس على قُرّاء الكتاب عموماً، وعلى الذين استشهدوا بترجمته خصوصاً، إذ لم يفطن أولئك جميعاً لهذا التصرف، ولم يلفت أنظارهم إيضاح المترجم في مقدمته لتصرفه غير المعهود. وأثمر هذا كله قراءة عمياء تنسب للكتاب الأصل كلاماً ليس فيه، وذلك كله غش من المترجم ساعد على تعميمه عمى قراء الترجمة المؤدلجين».
واصل الدكتور حمزة هجومه الضاري على عمر فروخ، فقال: «ليست العبارة المنسوبة إلى جلادستون في ترجمة عمر فروخ مما كتبه محمد أسد إذن، بل هي من إضافات المترجم، وهو لم ينسبها إلى مصدر! وهذا التصرف أصدق دليل على مقولة خيانة الترجمة! ويشهد هذا كله بخطر الأدلجة التي دفعت المترجم المؤدلج إلى إضافة مثل هذه العبارة المهمة، التي لم ينسبها إلى مصدر، إلى متن كتاب ليست فيه أصلاً، وهو ما أدى إلى الاستخدام المؤدلج لها نتيجة لغفلة قراء الترجمة المؤدلجين التي أعمتهم عن التساؤل عن المصدر الذي أخذت منه عند احتجاجهم بها».
إن الذي ذكّرني بمقالات الدكتور حمزة الأربعة القديمة، وقد عرضت لكم معظم ما جاء في مقاله الأول، هو أنني في خاتمة المقال السابق نقلتُ عن أحمد أمين في كتابه «يوم الإسلام» قوله إن المستر جلادستون قال بوجوب إعدام القرآن، وتطهير أوروبا من المسلمين. وكان من غير اللائق أدبياً وعلمياً قبل أن أشير إلى أن ما نسبه أحمد أمين لجلادستون ليس له أصل، أن أقفز على مقالات الدكتور حمزة الممتازة التي كان فيها هو الأكاديمي الوحيد في العالم العربي وفي العالم الإسلامي الذي تصدى لتمحيص صحة ما نُسِب إلى جلادستون في هذين العالمين. وهي مقالات لا غنية عن الرجوع إليها للاستفادة منها، وهي متوفرة كاملة على موقعه الخاص به على الإنترنت.
ومع هذا التثمين لتلك المقالات الممتازة، فإنني أرى أنه لم يكن موفّقاً في تتبعه لورود العبارة المنسوبة لجلادستون عند الإسلاميين العرب، وأرى أنه لا يعرف شيئاً عن سياقها عند الإسلاميين الأتراك والإسلاميين الهنود. ولم يكن موفقاً في اختيار مثاله الثاني لأكثر من سبب. أحدها أنه لو رجع إلى رسالة سفر الحوالي عن العلمانية للحصول على درجة الماجستير، وليس إلى كتابه «شرح الطحاوية» الذي هو ليس مثالاً نافعاً، لوجد أنه في هذه الرسالة التي نُشِرت في كتاب مطبوع، عزاها إلى مصدر هو بمثابة منشور سياسي وعقائدي ضد الغرب وتاريخه وحاضره مع العالم الإسلامي رائج عند الإسلاميين في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، اسمه «قادة الغرب يقولون: دمروا الإسلام... أبيدوا أهله»، أعدّه إسلامي سوري باسم مستعار، هو جلال العالم، واسمه الحقيقي عبد الودود بسام يوسف.
وأرى أنه حين اعتقد أنه عثر على بغيته، وقع بمزالق منهجية وأخطاء معلوماتية ومجازفات شتى، بدأها بحكاية ليس فيها تسلسل منطقي. وهي أنه فعلاً وجد العبارة في كتاب محمد أسد المترجم إلى العربية: «الإسلام على مفترق الطرق»، ولما وجدها فيه هرع مباشرة إلى نصه الأصلي المكتوب باللغة الإنجليزية، ليتأكد هل هي حقاً موجودة فيه؟
إن أي قارئ متمرس في القراءة لأي صفحة من صفحات ذلك الكتاب موجود في متنها كلام محصور بين معقوفتين أو بين قوسين مركّنين، سيلفت نظره هذا الأمر حتى لو كان فتيَّ السن، وسيرجع مباشرة إلى أول صفحات الكتاب أو إلى مقدمته، ليستطلع جليته، ولن يكلف نفسه عناء طَرْق باب بعيد، وهو باب النص الأصلي. هذا إذا ما كان يقرأ باللغة الانجليزية.
ثم إن ما كتبه المترجم عمر فروخ ليس «مقدمة»، وإنما هو «ملاحظة». وقد عنونها بهذا العنوان. قد يجادل الدكتور حمزة بأن جيرارد جينّيت اعتبر الملاحظة note أحد أنواع التقديم preface (راجع تقديم نعيمان عثمان لترجمته كتاب إلياس كانيتي: «محاكمة كافكا الأخيرة»، في طبعته الثانية)، لكن هذا الرأي يتساهل في قبوله لو أن الكتاب قد خلا من «مقدمة». ففي الكتاب «مقدمة» كتبها صديق عمر فروخ الطبيب الدكتور مصطفى الخالدي.
إن الدكتور حمزة افتعل تلك الحكاية غير المعقولة، ليشتد بالقول على عمر فروخ، ويحمّله وحده مسؤوليته خطأ نسبة العبارة إلى جلادستون. ولأن حكايته كانت حكاية مفتعلة، فأسئلته الثلاثة، هي (بالتالي) أسئلة غير ذات معنى. وسأصد عدوانه (كما سيرى القارئ) على العلّامة عمر فروخ بقوة وصرامة وحزم. وللحديث بقية.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.