عاجل

البث المباشر

الهروب من النقد

بيرى بوريل ديل كاسو

رسام وتربوي إسباني متعدد الإمكانيات والمواهب، يتحدث عدّة لغات من بينها الإسبانية والكتلانية، لغة مقاطعة برشلونا؛ لقد صُنِّف الرّسّام ديل كاسو كفنّان واقعي، والواقعية في حد ذاتها، لمن يجهل فحواها في علم الفنون، تعني بالإنجليزيّة:"ريالِزم"، وهي حركة نشأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وامتدت وترعرعت في بلاد الجن والملائكة فرنسا، وتُعنى - كما يُبيِّنُ الاسم - بواقعية تصوير الأشياء، المخلوقات، العالم وحتى العلاقات الإنسانيّة بصورة جليّة، واضحة وملموسة، كما هي عليه في عالمنا الواقعي الحقيقي على سطح هذه الكرة الأرضية؛ وتذهب بين هذا وذاك في تجسيد وتصوير الجوهر الداخلي لهذا العالم أو حتى للأشياء، وهي لا تجنح إلى الفانتازيا (الخيال الفيّاض) أو حتى للرومانسية. يمكن أن نقول إن فترة هذا الفن أو المذهب الواقعي امتدت بين ثورة مارس الفاشلة في عام ١٨٤٨، وبدايات حكم بسمارك في حوالي ١٨٥٠ إلى ١٨٩٠، وقد شهدت هذه الفترة العديد من الاتجاهات الأدبية الأخرى التي كانت تتواجد معها جنبا إلى جنب، مثل الطبيعية.

أشرق نجم الرسام ديل كاسو في ١٣ ديسمبر من عام ١٨٣٥ في قرية بويغثيردا (إسبانيا) وخمد نور ذاك النجم الثاقب بالعاصمة الكتلانية برشلونة، في السادس عشر من شهر مايو من عام ١٩١٠ عن عمر يناهز الأربعة وسبعين ربيعاً.

ارتبطت حياته ارتباطًا وثيقًا بمسقط رأسه في مقاطعة ساردينا بجبال البرنس واحتفظ هناك حتى بمنزله ومرسمه، رغم تردده الكثير على مدينة برشلونة التي كانت بالنسبة له مركزًا لحياته وحراكه الفنيّ دون منازع. كان يعشق الطبيعة ويرسم تجلياتها أيضًا بالألوان المائية، بيد أنّه كرّس قسطًا عظيما من حياته أيضًا لموضوعات وتيمات دينيّة، ذلك ربما تحت تأثير الفكر الناصريّ الذي كان يؤمن به. نجد أشهر لوحاته والتي نحن بصددها الآن هي: "الهروب من النقد"؛ كما يتجلّى ذلك في تسميتها بالإسبانية Escapando de la Critica ويطلق عليها بعض الناس من أولئك الذين يجهلون التسمية الاسبانية ويركزون فقط على ما توحيه عليهم اللوحة بتسمية "الهروب من الإطار"، على كلّ لقد أبدعت ريشته في عام ١٨٧٤ هذ التحفة الفنيّة وهي تعتبر مثالًا حيًّا لتقنية خداع العين (تروبم دوي - كما يطلق على المصطلح بالفرنسيّة trompe l’œil). لم يكن ديل كاسو يطمح إلى مراكز سامقة حتى يصل إلى مقاصد وأهداف دأب أغلبية زملائه في الوصول إليها بشتى السبل، فكان قنوعًا وكما فنّه واقعيًا بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان. فكم من مرّة عُرضَ عليه أن يتولّى رئاسة "لا لوتجا"، أشهر مدرسة فنية في برشلونة، لكنّه رفض كل العروض غير نادم ولا محسور، وفضّل في دأبه هذا أن يدير أكاديميته الفنيّة المستقلة، التي رأى أن دروسها (كما شخصه) قد أثّرت تأثيرًا بالغا، ولا تزال، في حيوات العديد من الرّسامين الإسبان بل وأثْرَت أعمالهم بصورة بيّنة وأوصلتهم إلى آفاق العالميّة؛ ومن هؤلاء نجد على سبيل المثال لا الحصر: Adrià Gual, Romà Ribera, Ricard Canals & Xavier Nogués .

الهروب من الإطار الهروب من الإطار

يشرح بعض النقاد اللوحة فقط من ناحية ومضمون العرف والتقاليد، فمنهم من يذهب بالقول إلى أنه هو الخروج من الإطار الذي صنعه المجتمع ودون أدنى شك هو أيضا العرف السائد سيودي بالأفراد إلى الاندهاش وأغلب الظن إلى الندم وهنا نجد تأثير الفكر الناصري بيّنًا في تأويل المحتوى. على كل تجسد اللوحة صورة فتى - أغلب الظن - في العقد الأول أو الثاني من عمره، تتبدى عليه، من خلال نور عينيه، ملامح الاندهاش والخيفة والتوجس، وربما الخوف من الخروج عن المألوف المعهود، وهو هاهنا إطاره التقليدي الذي صنع له ليبقى، كما اللوحة، خالدًا فيه، دون أن يسأل لماذا، وكيف وإلى متى؟

أما فيما يتعلق بالزي الخارجي للطفل فهو يشير إلى أنه من أسرة فقيرة، ويعكس حالة حرمان تتجلى في هيئته العامة. هل كان مملوكًا لأحد الأمراء أو الملوك، أم كان أهله من طبقة المزارعين الفقراء؟ بماذا توحي ملامح الخنوع والخضوع والاستكانة التي برزت جليّة على وجهه وعينيه الشاردين الباحثتين عن آفاق حرية لم يذق طعمها البتّة! هذه يا سادتي سليقة الإنسان التي سُلق عليها، فهو ينشد في أي بقعة من بقاع الأرض الأمن والأمان ويتطلع دائما وأبدًا إلى الأفضل، لذلك - كما فعل وتجرّأ آدم وحواء - يريد الطفل أن يخرج قفصه الذهبي في هذا الإطار الذي صنع له حتى يَخلُد فيه إلى أبد الآبدين إلى عالم آخر، لكننا نرى أن حركاته كلها ترفض هذه الأعراف رغم الذعر الذي يتطاير من حدقات عينيه.

إن الخروج من النقد أو من الإطار إن أردنا تسميته، هي محاولة جادة في كسر القيود والخروج إلى دنيا الانعتاق والتحرر من الأطر والأعرف الدينية والاجتماعيّة البالية التي صنعتها الأنظمة للإنسان لتجعل من بعض الناس عبيدًا وبعضهم الآخر أسيادًا. فهذا الفتى لا يزال في مرحلة النضوج والمراهقة والبحث عن الذات فقد يكون أقرب إلى تجاوز بعض أطر تلك العادات الاجتماعيّة والسلوكيات العرفية التي تقيده، كقانون طبيعيّ ومسطرة عملت على تنظيم سير المجتمعات. فإرادة الطفل للخروج من النقد والإطار يمكن أن نطلق عليها ما شئنا: إيجابيا المغامرة، الحرية، الانعتاق أو من جهة سلبية طيش الشباب، الغَيّ، أحلام المراهقة، التمرد على العقد الاجتماعي، الخ.

في ختام المقال يمكن أن نستوحي نصًا خالدًا لجبران خليل جبران عن العبوديّة يربط أحلام هذا الطفل وتطلعاته إلى الحريّة وربما نقارن حياته بحياة طائر في قفص ذهبي: "إن الطيور التي خلقت في قفص تظن أن الطيران جريمة!"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة