عاجل

البث المباشر

فارس خشّان

<p>كاتب لبناني</p>

كاتب لبناني

قاطعو الرؤوس و... الأرزاق!

لا يحب المتديّنون، إلى أيّ فئة انتموا، النظام العلماني الفرنسي. حتى في لبنان، حين تلتقي بعض رجال الدين المسيحيين، تسمعهم يُشهرون استياءهم من هذا النظام "الملحد".

لجميع هؤلاء أسبابهم، فالقوانين الفرنسية على اختلافها كما غالبية وسائل الإعلام ودور النشر وصالات السينما وخشبات المسرح، لا تراعي حساسيات الأديان، بل تقدّم عليها حرية التعبير التي يحميها حق التجديف.

في فرنسا حماية الجماعات الدينية لا تعني صون رموزها السماوية، بل تعني صون حقها بالتعبير.

البعض يسيئه ذلك، ولكن هذه هي فرنسا، وهي مقتنعة بذاتها، وتدافع عن قيمها، وتذهب قدماً في ترسيخها.

ولكن، ثمّة فئة تريد فرض ثقافتها ونهجها على البلاد. إنّها الأصولية الإسلامية التي تضم، في غالبيتها، مهاجرين غادروا دولهم التي عانوا فيها-هم أو آباؤهم-الإضطهاد أو الظلم أو الحرمان، بسبب حاكم فاسد أو ديكتاتوري أو دموي.

وتزعم هذه الفئة أنّها تدافع عن دينها في وجه التجديف، فتتحوّل الى أداة قتل، في فرنسا.

إلى هذه الفئة ينتمي "قاطع رأس" الأستاذ الذي كان، قد عرض، في سياق درس ألقاه، في الخامس من تشرين الأول(أكتوبر) الجاري، على تلامذته في الصف الثالث متوسط، عن حرية التعبير، رسوماً كاريكاتورية تنال من النبي محمد، سبق أن نشرتها مجلّة "شارلي إيبدو" قبل أن تتعرّض أسرة تحريرها في السابع من كانون الثاني(يناير) 2015 لمجزرة حقيقية، على يد الشقيقين الأصوليين شريف وسعيد كواشي.

عبدالله أبو يزيدوفيتش الذي قطع رأس أستاذ التاريخ والجغرافيا صاموئيل باتي، في بلدة "كوفلان-سانت-أونورين" (شمال باريس) شيشاني الأصل، ولد في روسيا، وهاجر الى فرنسا حيث طلب اللجوء، فمنحته سلطاتها المختصة، في آذار(مارس) الماضي، مع بلوغه عامه الثامن عشر، الإقامة لمدة عشر سنوات.

ماذا حققت هذه الجريمة ومثيلاتها للإسلام والمسلمين؟

من البديهي أن تأتي النتيجة عكسية، فاليمين المتطرّف "هلّل" للجريمة البشعة هذه، فهي أعطته قوة للإنقلاب على طرح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهادف الى مكافحة "الأصولية الإسلامية"، بالتربية والسلوك الحسن، فدعت رئيسة "الحركة الوطنية" مارين لوبان الى طرد ما سمّته "الإسلاموية"، بالقوة، من فرنسا.

هي لم تشر لا الى التطرف ولا الى الأصولية ولا الى الراديكالية، بل عمّمت "رغبة الطرد" على حالة يُمكن أن تشمل كل متديّن، وربما كلّ منتم.

وهذه الجريمة سوف تتسبّب بإضعاف الرئاسة والحكومة، بسبب منح بطاقات إقامة لأشخاص يمكن أن يتحوّلوا الى قاطعي رؤوس، الأمر الذي من شأنه أن يخلق مضاعفات ترتد سلباً على طالبي تسوية أوضاعهم في فرنسا عموماً وعلى المسلمين منهم خصوصاً.

ولكن، بعيداً من "اليمين المتطرّف" الذي بدأ يحتل، مع السنوات، مراتب متقدّمة في صناديق الإقتراع، فإنّ هذه الجريمة وغيرها تترك انعكاسات مهمة للغاية، ذلك انّه كما تجسّد الرد على مجزرة "شارلي إيبدو"، مع انطلاق المحاكمة في هذا الملف ضد كل من ساعد مرتكبي المجزرة، بإعادة المجلة نشر الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمّد، فإن حملة التضامن الفرنسي مع الأستاذ الذي قُتل بقطع رأسه ستقتضي أن يسير كثيرون على نهجه التربوي.

ولن يقتصر الأمر على فرنسا، بل سيسحب نفسه على كثير من الدول ولا سيّما الأوروبية منها.

وهذا يعني أنّ الجرائم التي يرتكبها هؤلاء المتطرفون الإسلاميون، تُحقق أهدافاً معاكسة، تضر بالمسلمين، من جهة وتفيد أعداءهم، من جهة أخرى.

ولأنّ المسألة كذلك، فإنّ الرد على هذا النوع من الجرائم يُفترض أن يأتي من المسلمين أنفسهم.

لا أحد يملك الحق في "الأستذة" على الهيئات المسلمة المختصة، ولكن الجميع ينتظر، بفارغ الصبر، خطوة جريئة، تُحرّم الرد على الكلمات والرسوم والمؤلفات، بسفك الدماء.

لغة "سفك الدماء" مستوردة من عصور ولّت، ولا تزال معتمدة في دول لم تنجح غالبيتها إلا في تصدير مواطنيها الى المهاجر.

الشاب الشيشاني المهاجر الى فرنسا، لم يقترف جريمة، من تلقاء نفسه. هو لم يكن يعرف ضحيته. ذهب الى المدرسة وطلب من طلابها أن يُرشدوه إليه.

هناك، في أمكنة يعرفها الجميع، من علّمه ويُعلّم أمثاله وأمره ويأمر أمثاله، بارتكاب هذا النوع من الجرائم الوحشية، مصوّراً إيّاها كما لو أنّها... مفاتيح الجنّة.

هذا المعلّم هو من يجب محاكمته.

وهذه مسؤولية كل مسلم يغار، فعلاً، على دينه وسمعته، ويحرص على أن يستدعي مجنون من هنا مجنوناً من هناك الى حروب جديدة.

-2-

كادت جريمة "قطع الرأس" أن تطغى على ادّعاء النيابة العامة في فرنسا على الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، بتهمة تمويل حملته الانتخابية الرئاسية من أموال خصّصها له الزعيم الليبي الراحل معمّر القذافي.

ساركوزي ينادي، منذ كشف هذه القضية، ببراءته. النيابة العامة أهملت حججه.

المسار القضائي لا يزال طويلاً. براءة ساركوزي ممكنة تماماً كإدانته. ولذا، فهذا ليس موضوع النقاش.

الأهم، بالنسبة للقارئ العربي، يتمحور حول المساءلة بصفتها أحد أهم أسس سلوك الدول في اتجاه التقدّم.

إنّ ساركوزي المدعى عليه بجريمة من العيار الثقيل، ليس شخصية معارضة أو شخصية مغضوباً عليها. العكس هو الصحيح، فالرئيس الحالي يقرّبه منه، ويستشيره في الكثير من القضايا، ويأخذ بغالبية مقترحاته، بما فيها تعيين شخصيات في مراكز مهمة في الدولة.

كما أنّ ساركوزي، لم يعد يلعب أدواراً سياسية بالمعنى الإحترافي للكلمة، وإن كان لا تزال له كلمة محترمة في حزب "الجمهوريين" الذي ينتمي إليه.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ النيابة العامة لم تُهمل ملفاً سبق وفتحته بحقه، قبل سنوات، بل تابعت إجراءاتها، كأنّ شيئاً لم يكن.

بالنسبة للفرنسيين لا غرابة في ذلك. إنّهم يعتبرون الأمر طبيعياً.

لنتخيّل لو أن ساركوزي لبناني، مثلاً، فماذا كان يمكن أن يصبح عليه ملفه؟

السيناريو واضح:

إذا كان في السلطة، تُنشر بحقه الفضائح، ولكنّ النيابة العامة لا تتدخّل، فهي كأنّها لم تقرأ ولم تسمع.

وفي حال اشتدّت الحملة عليه، فهو يطلب منها، سرّاً، أن تتحرّك، لتصدر، بعد أيّام قليلة، بياناً يؤكد أن "ساركوزي اللبناني" بريء كبراءة الذئب من دم يوسف، وتبدأ بملاحقة من كشف الفضائح ونشرها.

ولا تعود وتستيقظ هذه الفضائح من سباتها، إلّا إذا انتقل "ساركوزي اللبناني" من السلطة الى المعارضة. في هذه الحالة، يتم تهديده بالملاحقة، فإذا لم يفهم الرسالة، يتم استدعاؤه، فإذا انصاع، يعود الملف الى "أحلامه السعيدة".

بديهي، أن تصدر اعتراضات على هذه المقارنة إنطلاقاً من تسليم جماعي بأنّ لبنان، مثلاً ليس فرنسا، ولكن من البديهي، أيضاً، والحالة هذه، أن نعرف لماذا يتمتّع الفرنسيون، بحكم رشيد، فيما يعاني اللبنانيون من حكم سرقهم واستخفّ بهم وهدّم مؤسساتهم وصادر ودائعهم وأفقرهم وهجّرهم.

إنّ الدفاع المستمر عن غياب دولة القانون في لبنان، ليس أقلّ إجراماً، من إقناع ذاك الشاب الشيشاني بأنّ مفتاح الجنة موجود في رقبة الأستاذ الذي قطع رأسه.

* نقلا عن "النهار"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات