مجلس التعاون الخليجي.. أسئلة حادة وتحديات مستقبلية

علي الخشيبان

نشر في: آخر تحديث:

لا شك أن الجميع يتذكر الآباء المؤسسين لمجلس التعاون الخليجي عندما اجتمعوا في أبوظبي التي استضافت أول اجتماع في مايو من العام 1981م، وقد حضر أول اجتماع قادة الدول الخليجية الست، وقد وصل الجميع قبيل إعلان إنشاء المجلس إلى صيغة تعاونية هدفها تحقيق التنسيق والتكامل بين دول المجلس التي كانت تطمح إلى أن تصل إلى صيغة مناسبة توحد مساراتها السياسية والاقتصادية والثقافية، وخلال أربعة عقود مضت تمكن المجلس من تحقيق بعض إنجازاته وليس كلها خاصة أن الشعوب الخليجية وضعت ثقلها في الطموح خلف هذا المجلس وأجهزته، وللتاريخ لابد من الاعتراف أن المجلس يعتبر أبرز وأهم اتحاد سياسي في منطقة الشرق الأوسط عطفاً على تجارب عربية سابقة بما فيها جامعة الدول العربية.

دول مجلس التعاون الخليجي حققت إنجازات مهمة تناسبت مع طبيعتها السياسية والاقتصادية ولكن دول الخليج عانت كثيراً من ارتباط تلك الإنجازات بالعامل الاقتصادي وأسعار البترول وخاصة أمام المشروعات الخليجية الكبرى، في الجانب السياسي لا يمكن إنكار صلابة مجلس التعاون في مواجهة مخاطر هددت الأمن القومي لدول المجلس، فالحرب العراقية - الإيرانية واحتلال العراق للكويت والأزمة الخليجية الإيرانية وانتشار الإرهاب في العالم وأحداث سبتمبر كلها تحديات كانت كفيلة بتفكيك مجلس التعاون ولكن صلابة تاريخية ساهمت في ثبات المجلس حتى في أشد مراحل الخلاف بين أعضائه التي كانت تسببها بعض الدول.

الدول الخليجية استخدمت مسارات استراتيجية متعددة لفهم عناصر التحديات، وقد لعبت الطبيعة السياسية للقيادات الخليجية دوراً واضحاً ومهماً في تفادي وتفكيك الكثير من الخلافات خلال الأربعة عقود الماضية، ولعل السؤال الأهم يدور حول مستقبل مجلس التعاون وقدرته على مواجهة التحديات الفعلية ذات الطبيعة الإقليمية والعالمية، ولكن قبل الإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أن الظاهرة السياسية السائدة عالمياً حول الاتحادات الدولية تعاني هي أيضاً من تعرضها لأسئلة حادة ساهمت في تصدع الكثير منها، ولعل الاتحاد الأوروبي أحد هذه النماذج وخاصة بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد.

قد تتفاوت المعايير والطبيعة السياسية والمشتركات بين نماذج الاتحادات في العالم، ومجلس التعاون نموذج مختلف في حقيقته، فالطبيعة السياسية للأسر الحاكمة في الخليج تعتبر محور القوة في مراحل تاريخية كثيرة، والتهديد الحقيقي الدائم للمجلس هو إمكانية انحراف أحد المكونات السياسية الخليجية عن المسار والتقاليد التي تحكم الطبيعة السياسية وثقافة الأسر الحاكمة وطبيعة الشعوب الخليجية التي لا تتقبل فكرة استعداء بعضها على بعض دون تأثير سياسي موجه، لذلك فمن المهم الإشارة إلى شهر يونيو من العام 1995م، حيث بدأت ملامح المسار الخليجي بالتغير عندما تم تغيير الحكم في الدولة الخليجية الأصغر مساحة قطر، حيث بدا واضحاً أن مشكلة فعلية ستواجه المجلس وسوف تساهم في حدوث ثغرات يصعب تفاديها في اللحظات الحاسمة وهذا ما تم الوصول إليه مع كل أسف.

في العام 2017، كان لابد من التصريح بالمشكلة الفعلية التي كانت تواجه مجلس التعاون، وقد حدث ذلك من إحدى الدول الخليجية بعد مقاطعتها من بقية الدول لأسباب لم يتم التكتم بشأنها بل أعلنت عبر وسائل الإعلام، هذه المرحلة التاريخية من عمر المجلس مهمة في صياغة الصورة المستقبلية للمجلس والتحديات التي يمكن أن تواجهه، ولعل أهم الأسئلة يدور حول حاجة دول مجلس التعاون الخليجي إلى مناقشة التحديات التي يمكنها أن تعصف بمجلس التعاون، من الناحية السياسية دول مجلس التعاون قادرة على الاستمرار مهما كان عدد هذه الدول خمس أو حتى أربع، ولعل السبب أن مشتركات هذه الدول السياسية والاقتصادية لا تتأثر بغياب أحد، كما أن التباين الجغرافي بين هذه الدول يجعل من الدولة الأكبر جغرافياً السعودية أن تكون قادرة بتأثيراتها المحلية والإقليمية والدولية على تحقيق التماسك بغض النظر عن العدد.

المملكة العربية السعودية لم تكن في سباق مع الآخرين، حققت الوحدة الوطنية ثم انطلقت في مشروع تنموي شامل حتى أصبحت الآن من الدول المتقدمة بالمعايير التعليمية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية وليس بمعايير الشعارات. المملكة الآن تتحدث بلغة الحقائق والوثائق والأرقام. المملكة الآن قوة اقتصادية ومالية، عضو في قمة العشرين، ولن يكون هناك تأثير كبير على تخلف إحدى دول المجلس عنه أو خروجها منه إذا ما حدث ذلك، فمن يستعرض الثقافة السياسية والاقتصادية لدول المجلس يدرك أن هذا المجلس ولد ليبقى ولن يكون عدد الدول عملية فاصلة في بقائه كمنظمة سياسية ذات أطر وسمات مختلفة عن كل الاتحادات الدولية المشابهة.

* نقلا عن "الرياض"


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.