«ماكرون» وأزمة «الإسلام السياسي»

عبدالله بن بجاد العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

هل هاجم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإسلام كدينٍ سماويٍ كريمٍ أم هاجم «الإسلام السياسي» الذي هو أحد أعظم الأخطار التي هددت دين الإسلام في قرونٍ متطاولةٍ؟ الأقرب لخطاب ماكرون أنه يعادي خطاب الإسلام السياسي لا دين الإسلام، لأن الجمهورية الفرنسية دولة علمانية صريحةٌ لا علاقة لها بتحديد الصحيح من الأديان من غيره.
ويؤكد هذا الجدل الذي دار حول حديثه عن «الانفصال الشعوري»، ومن المعلوم أن جماعة «الإخوان» ومثيلاتها هي من تسيطر على غالب المساجد والمراكز الإسلامية هناك، وأحد المفاهيم المسيطرة المفهوم الذي اخترعه الإرهابي «الإخواني» سيد قطب وسماه «العزلة الشعورية»، وهو معنى قريب من مفهوم «الانفصال الشعوري» إنْ لم يكن ثمة خطأ في الترجمة، وانعزال المسلمين في أحياء خاصة أو قرى نائية عن بقية المجتمع الفرنسي هو تطبيق لمفهوم «العزلة الشعورية» والمشكلة تكمن في تراخي فرنسا والدول الأوروبية عن تصنيف جماعات الإسلام السياسي كجماعاتٍ إرهابيةٍ، ولهذا فالعمليات الإرهابية مستمرةٌ منذ سنين ليست بالقصيرة في فرنسا وغيرها من الدول الأوروبية، لأنه لا يعالجون جذر الإرهاب وأساسه بل يكتفون بملاحقة الأطراف الزائدة هنا وهناك.
خلقت جماعات الإسلام السياسي خطاباً سياسياً منحرفاً أيديولوجياً ومنظماً حزبياً، ويستخدم الإسلام مجرد وسيلة لنجاح الحزب السياسي والوصول للسلطة، هذه حقائق عليها دلائل أوضح من الشمس، وهذا الخطاب أضرّ بالإسلام وشوّهه وقتل الآلاف المؤلفة من المسلمين في شرق الأرض وغربها، قبل أن يطال غير المسلمين في مرحلة من مراحل تطوره.
تحدث كثيرون من المسلمين علماء وفقهاء عن خطر وخطل خطاب جماعات الإسلام السياسي، التي لا تعرف إسلام التسامح ولا إسلام التعايش ولا إسلام المحبة ولا إسلام الرحمة للعالمين، ولا تتحدث إلا عن إسلام العنف وإسلام الدم وإسلام القتل والتفجير والتدمير، فهل هناك تشويه للإسلام أشد من هذا؟
هل يعني هذا السياق نفي وجود عنصرية ضد المسلمين في بعض الدول الغربية؟ بالتأكيد لا، فالعنصرية موجودة ضد المسلمين وضد غيرهم من أتباع الأديان والأعراق والمعتقدات في كثير من تلك الدول، والأفضل لمواجهتها هو البراءة الكاملة من كل خطاب جماعات الإسلام السياسي ومناهجه ومفاهيمه وحركاته وتنظيماته وقياداته ورموزه، خدمة للإسلام نفسه وللمسلمين وليس رغبة في رضا أي جهة أخرى.
دون أي إطالة فقد تحدث كاتب هذه السطور سابقاً عن «الإسلام المستَفِز»، وكيف صنعته جماعات الإسلام السياسي على مدى عقودٍ بغرض تحويل الإسلام إلى مجرد سلاحٍ في معركة سياسية تخوضها هذه الجماعات ضد العالم كله مسلميه وغير مسلميه.
تطهير الإسلام من هذه الجماعات المسيّسة وكل تشويهها للإسلام هو مهمة المسلمين أولاً وأخيراً، ومهمة كل المؤسسات الدينية الرسمية والرصينة في العالم الإسلامي التي تتبنى التسامح والتعايش والمحبة والسلام، هو القضاء على هذه التشويهات وتقديم النقد الصارم لها ولرموزها وحركاتها وإرهابها، وإعادة المسلمين للإسلام العتيق بعيداً عن خرافات وانحرافات هؤلاء الذين يحتقرون الإسلام بجعله مجرد سلمٍ لطموحهم السياسي.
ثمانية عقودٍ مرت منذ بدأت جماعات الإسلام السياسي تشويهها لدين الإسلام، وحتى نستعيد الإسلام العتيق، فيجب أن نعمل بكل ما نملك ضمن استراتيجيات طويلة المدى لضرب كل منتجات الإسلام السياسي في كل صنوف العلوم الشرعية وغيرها، فقد وصل تشويههم للإسلام إلى علومٍ حديثة كعلم الاجتماع وعلم النفس وغيرها، وتتبع ذلك كله يحتاج عقوداً من الزمن لتحجيمه وإضعافه، فما بالك بالوقت الذي نحتاجه للقضاء عليه.
أخيراً، فمن يهاجمون الإسلام مدانون أياً كانوا، ومن يواجهون «الإسلام السياسي» وجرائمه وإرهابه محقون، والمعركة طويلة والرهان على الوعي.

* نقلا عن "الاتحاد"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.