تظاهرات تشرين .. المحرضات التاريخية ذاتها

رزاق عداي

نشر في: آخر تحديث:

في اليوم الثاني فقط ،من اندلاع تظاهرات 1-تشرين 2019 ، اندفع عقل السلطة السياسي -الأمني لاحتوائها على الفور، ومنع تمددها ، فاْراد معززاً بنظرية المؤامرة ! ، أن يكشف المعلن والمخفي في هذا الحراك ، فوصفه على لسان رئيس الاْمن الوطني آنذاك باْنه مؤامرة تهدف إسقاط التجربة الديمقراطية العراقية !!، مدفوع من مخطط استباقي أميركي ، وهومحض رهان للاْبقاء على ديكورات اميركا بتحريك هذا الشباب الغض والمندفع كالعاصفة لخدمة أغراض مشبوهة ،-

أما البعد الاّخر الستراتيجي الذي كشف عنه السيد رئيس الأمن الوطني! ، فهو مساعي الكترونية أميركية لإفشال الاتفاق مع الصين ، على أساس أن الغول الاقتصادي الصيني أكمل كل مستلزماته ، والاّن في طريقه لاحياء درب الحرير- القديم ، الذي يمر بالعراق ، في راْي هذا المسؤول الجيوبولتيكي أن الشباب هؤ لاء صاروا ضحية لسباق دولي ستراتيجي ، وهم بالحقيقة - برأي رئيس الأمن الوطني - يرفلون في رفاه ديمقراطي وأمني منقطع النظير ، لم يشهد نظيره شعب آخر على ظهر المعمورة ، والموضوع من ألفه الى يائه ماهو إلا حرب ستراتيجية والكترونات،

وعلى غرار مقاربات رئيس الأمن الوطني السابق ، شاع للوهلة الأولى عند البعض ، توصيف شباب تشرين 2019 في العراق ،بأنه يافع ومندفع ، كما أنه بمستويات عمرية ،غيرمؤهلة على ضبط شعاراتهم وأهدافهم ، بصورة واضحة ، ولكن الأيام اللاحقة للتظاهرات ، وما أبدوه من مطاولة صلبة ، أثبتت بهتان هذا التصور ، وعكست الانطباع السابق عنهم ، وظهر جيل الشبيبة هذا ، إنه يملك كل الإصرار والثبات ، ويتوق الى تحقيق ذاته ، وهو مساق بقوة يؤججها جوع وحرمان وعوز ، ولكن الأهم في هذا الجيل انه شكل تقاطعا تاريخياً وتراكماً كبيراً تغلغل في لاشعور جمعي ، رٌحل إليه من أجيال سابقة ، تفجر عندهم ، وتبدى ملموساً في خطاباتهم وشعاراتهم المختزلة ، منذ الساعات الأولى للتظاهرات ، من مثل ( نازل آخذحقي )و ( أريد وطن ) والحقيقة إن هذا الكم المتواصل من المعاناة هي بالاْصل تفاعلات قديمة مترابطة ، متلاحقة ، مقترنة مع لحظة تاريخية استثنائية في عام 2003 تحديداَ ، بكل ما تحمله من ثقالة في تاريخ العراق الحديث ، صادف هذا التاريخ أو قبله بسنوات قليلة ولادة هذا الجيل ، الذي كان عليه أن يتفجر كالبركان ، لتلحق به ارتدادات من أجيال سابقة ، إن انطلاق هذه الحركة الاحتجاجية كان يستمد مشروعيته من واقع تاريخي - اجتماعي ، وهو تمخض ، لم تتمكن أجيال سابقة أن تتحمل إرادة تفعيله لأسباب موضوعية معروفة ، ولكن عندما بلغ العبْ ثقيلاً كان لابد من الوقوف على الحد مابين الحياة أو دونها ،

إن الذي أجج الانتفاضات وزاد من أوارها منذ2008 ولغاية اليوم هو الحكومات المتعاقبة ، وحكومة -عادل عبد المهدي - حصراً ، إذ تعاملت معها بمنطق متعال ، ولم تتنازل قليلاً للتفاهم معها ، ولفهم مطالبها ومحركاتها ، ولم تحاول بالحد الأدنى أن تدرك ما يدور في أذهان هذا الجيل ، ولم تعرف بنيته الشبابية بديناميكيتها ، فاختارت الحكومة الحل الأمني الذي أدى الى نتائج كارثية وماّزق كبيرة ،وأطاح بالحكومة ذاتها ، ، ولغرض الولوج الى البعض البسيط من محركات الانتفاض والثورة ، يمكن الإشارة الى ملمحين من ملامح الخيبة والياْس والمرارة التي باتت تهيمن على حياة الشبيبة ، منها ظاهرة الانتحار التي سجلت أرقاماً مخيفة في السنوات الأخيرة بين أعمار شبيبة بين سن 16سنة أو أكثر قليلاً ، وتداول أيديولوجيات عدمية كالالحاد كرد فعل ضد هيمنة المقدس ، الذي مارس تعمية لشريحة واسعة من الشباب ،كما لمحت الى ذلك مراكز البحث الاجتماعي ،

إن الأداء الحكومي الفكري والاجرائي هو المسؤول الأول عن شيوع وتفشي هذه الظواهر والكثيرغيرها ، وظلت الحكومات الفاشلة تستظل بأغطية مقدسة ، وهي بالاْصل بعيدة عنها ، لتمرير فسادها ، مكتفية بالشعارات والأماني الفوقية الكاذبة ، التي لم تنتج سوى خيبات مستمرة ، وفساد ، وبطالة عريضة ، وياْس من مستقبل قادم ،

أما العٌقد التاريخية التي اندست فاعلة في اللاشعور الجمعي العراقي ، فهي سياسية -اجتماعية لخصها بعض دارسي علم الاجتماع العراقيين ، إنها عقدة 9 نيسان 2003 ، تلك اللحظة التي توثق العجز في الإرادة العراقية أمام الاستبداد ، الذي لم يسقط باْيد عراقية ، إنما على يد قوة عسكرية أجنبية ، وبعدها بثماني سنوات تساقطت أنظمة الاستبداد المزمنة ، في أكثر من دولة عربية ، بيد شعوبها ، ليقصى العراق من نادي الثورات العربية ،ويخرج ضحاياه ومستبدوه في دائرة الضوء ،وكأنه لم ينتفض مرّات ومرّات على الاستبداد ، ولم يدفع حاله حال الشعوب العربية ،أو يزيد مئات الضحايا في هذا السبيل ،

لم يتفهم المحيط الإقليمي بالعراق ،لحظة 2003 ، باعتبار أنها سابقة دولية ، ربما أبرز تبدياتها ، تفكك قطب دولي كبير ، الاتحاد السوفيتي السابق ، وحلول نظام دولي جديد تهيمن عليه أميركا ، كان العراق في ظل هذه التغيرات الدولية قد جرى احتسابه ، وكان حاضرا بنظامه السابق بتهوراته ، فكانت خطة احتلاله من ضمن أجندات أميركية لتكريس النظام الدولي الجديد ، إذ اختير كعينة لتطبيق واختبار الفوضى الخلاقة ،

إن فهم احتلال العراق في نيسان 2003 من قبل الدول الإقليمية المحيطة ، بصفته طرفاً واحداً من المعادلة ، دون الأخذ بنظر الاعتبار أن هذا الاحتلال أسقط في ذات الوقت نظاماً استبدادياً ، قتل العشرات من العراقيين ،وخاض حروباً طويلة مع دول إقليمية ،

النظام الذي اعقب الاحتلال شهد مساراً انتقالياً متعثراً ، وخضع لعوامل ومواصفات مشابهة الى ما كان شائعاً في الأنظمة التي أسقطها ما يسمى بالربيع العربي ، فالمسار الانتقالي تحول الى فئوي ، طائفي ، رسمه الاحتلال دون دراية بواقع العراق الفعلي ،وبتصور مقحم ، كان يفهم العراق بصفته تجمعاً للهويات الاْثنية والطائفية المتصارعة.

إن انتفاضة تشرين 2019 ، هي فعل معاكس ومضاد لكل تداعيات مابعد 2003 ، فالانسحاب الاميركي في 2011لم يكن انتصاراً للاْرادة العراقية ، ربما لأن بديله كان طائفياً ، كقاعدة للحكم ، وبديله كراهية اجتماعية ، وبديله أيضاً إلحاقاً للبلد بمحاور إقليمية.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.