الأيديولوجيات التي تجعل الجوار متعذرا

عبدالله المطيري 

نشر في: آخر تحديث:

كشفت المواقف الأخيرة لجماعات الإسلام السياسي وما سبقها من التسجيلات المسربة بين العروبي معمر القذافي وممثلي الإسلام السياسي خصوصا الإخوان المسلمين عن اتفاق حول قضية أساسية وهي أن الدول الحالية لا حرمة لحدودها وأراضيها وأنه من المطلوب تعديل الخريطة الحالية وإعادة رسمها وأن التخطيط السري لهذه العملية متوافق مع المنظومة الأيديولوجية والأخلاقية لهذه الجماعات. هذا الاتفاق نابع من كون الأيديولوجيات الإسلامية والعروبية لا تعترف بالدول الحالية إلا باعتبارها مرحلة مؤقتة في سبيل تحقيق حلم الأمة الأكبر، حلم الأمة الإسلامية عند الإسلام السياسي وحلم الأمة العربية عند البعث والناصرية وامتداداتهم المعاصرة. بناء على هذا فإن الحدود الحالية بين الدول ليست إلا تقسيمات استعمارية لا تستحق الاحترام. هذه الأحلام بإعادة رسم الحدود ليست مجرد هلوسات أيديولوجية غير مؤثرة بل تمثل منطلقات أشبه بالروحية عند التفكير في قضايا الشعوب والعلاقات بينها عند المؤمنين بهذه الأيديولوجيات. حين غزا صدام حسين الكويت كان ينطلق من الفكرة ذاتها وهي إعادة رسم خريطة دولة العرب الجديدة. وحين دعم الاخوان المسلمين موقفه ذلك فقد انطلقوا من كون هذا المشروع يمكن أن يؤدي في المستقبل للمشروع الأكبر مشروع الأمة الإسلامية فدولة العرب خطوة في طريق دولة المسلمين. تآمر القذافي وقطر وبقية الجماعات على إعادة رسم خارطة المنطقة ليس إلا تخطيطا للغزو وإعلاناً للحرب لا يختلف من ناحية المبدأ عما قام به صدام حسين في صيف ١٩٩٠.

بناء على هذا المنطق فإنه من المتعذّر إقامة علاقة جوار مع الدول التي تتبنى هذه الأيديولوجيات. علاقة الجوار تتأسس على حالتين أساسيتين: حالة الانفصال وحالة الاتصال. حالة الانفصال تعني الاعتراف بوجود كيانات مستقلة بذاتها تكتسب معناها من ذاتها وحالة الاتصال تعني إقامة تلك الكيانات علاقات تعاون فيما بينها. هذه المعادلة هي التي تحكم تقريبا منطق دول العالم. لكن في ظل الأيديولوجيات الإسلامية والعروبية لا توجد حالة الانفصال الأولى التي تجعل من إقامة العلاقة ممكنة. هذه الحالة تجعل من الجوار مستحيلا لأنه لا توجد بيوت. من لا يعترف ببيتك لا يمكن أن يكون جارا لك. الجوار ينطلق أساسا من الاعتراف بالبيوت المستقلة التي تنشأ العلاقات انطلاقا منها. في الجوار تكون الضيافة والتعاون والمساعدة ممكنة ولكن مع غياب الجوار يختفي كل هذا وهو ما نشاهده باستمرار حين يقدم شعب ما من الشعوب الخليجية مساعدة لشعب آخر تسيطر عليه تلك الأيديولوجيات لا تنشأ علاقة خير مع هذه المساعدة لأن تلك الأيديولوجيات تتعامل معه على أنه مجرد نقل مال من طرف البيت إلى طرفه الآخر فلسنا هنا أمام هويات مستقلة تتصل فيما بينها بل أطراف في كيان واحد لا أكثر. هذا يجعل من خيانة الجار واستباحة أرضه والتآمر في سبيل تخريبها عملية مقبولة جدا داخل تلك الأيديولوجيات الأممية.

تعمل هذه الأيديولوجيات أساسا من خلال خلق حالة انفصال نفسي بين الأفراد وبيتهم الداخلي الوطني. هذا الانفصال يتأسس على التشكيك في مشروعية البيت الأم. "وطنك ليس إلا صناعة استعمارية" هذه هي الرسالة الأولى التي ينطلق منها هذا الخطاب لزرع خصومة جوهرية بين الأفراد وحكوماتهم. "لا بد من إسقاط نظام الحكم" هذه هي الرسالة الثانية وإن تم تأجيلها لأغراض عملية إلا أنها لا كامنة بانتظار لحظتها الموعودة. الروح التي تزرعها تلك الأيديولوجيات ليست روح التعاون مع الحكومات فهذه خيانة ولكنها روح المناورة حسب معايير القوّة والضعف. حتى الاحتفاء بالإصلاحات الديموقراطية ليس إلا من أجل الوصول للحكم وتحقيق الحلم الكبير في دولة الأمة. الخطة الأساس هي إعادة رسم خريطة المنطقة لصالح هذه الأيدولوجيات. الشعوب هنا مجرد أدوات لا قيمة لها إلا داخل مشروع تحقيق هذه الأحلام. لذا فلا بأس أن يموت الملايين من أجل المشروع الكبير. هذه الأيديولوجيات تزرع علاقة مستحيلة بين الشعب والحكومة فالحكومة ليست إلا مجموعة من عملاء للاستعمار. صحيح أنه يمكن التعامل معهم ومداراتهم ولكن ليس إلا كاستراتيجية مؤقتة لا أكثر.

لهذا كله فإنه من المهم الاستمرار في منطق السيادة الذاتية للدول واتخاذ القرارات بناء على تلك السيادة. هذا المنطق يؤسس لحالة الانفصال الضرورية والتي يمكن أن تجعل من الاتصال لاحقا بين الدول ولكنه هذه المرة مبني على الاحترام والتمايز وتقدير المواقف المتبادلة. هذا الانفصال هو ما يجعل الجوار ممكنا انطلاقا من الاعتراف بالبيت الوطن الأم لا باعتباره طرفا في كيان أكبر بل باعتباره كيانا مستقلا يقيم علاقات التعاون والجوار والصداقة بناء على هذا الاستقلال ولا يقبل المساس به تحت أي شعار.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.