الفتنة الإيرانية وزمن الانتخابات الأميركية

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

تأبى إيران أن تكون أداة سلام، لا في محيطها الإقليمي ولا حول العالم، بل أكثر من ذلك، إذ إن غرورها المنحول يدفعها في طريق الانتحار السياسي، يوما تلو الآخر .

آخر فصول الجنون الإيراني موصول بالانتخابات الأميركية الرئاسية، وكيف تسعى إيران إلى التدخل فيها من خلال الاختراقات السيبرانية المعهودة عنها، والقاصي والداني يعلم أن سوابقها في هذا الإطار عديدة ومريرة، ومهددة للأمن والسلام العالميين .

قبل بضعة أيام كانت "أماندا شوتش"، مساعدة مدير الاستخبارات الأميركية، تصرح لبعض وسائل الإعلام الأميركية بالقول إن تقييمات أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة خلصت منذ السابع من أغسطس الماضي إلى أن إيران متورطة في نشاطات تهدف إلى تقويض المؤسسات الديمقراطية الأميركية .

ليس خافيا على أحد أن الأميركيين بات لديهم هاجس مقلق من فكرة تدخل قوى خارجية في مسارات الانتخابات الرئاسية المقبلة، لاسيما وأن قصة التدخلات الخارجية في 2016، قد تسببت في شرخ عميق في جدار النسيج المجتمعي الأميركي .

يعن لنا التساؤل بين يدي المشهد: "ما الذي تريده إيران في هذه الأوقات الحساسة وقبل ثلاثة أشهر من انتخاب الرئيس الجديد؟
الجواب الصريح المريح، هو محاولة إلحاق أكبر الأذى بالعملية الديمقراطية الأميركية، وبما يحول الحلم الأميركي إلى كابوس، وذلك من خلال بث روح التفرقة بين صفوف الأميركيين وبعضهم البعض، هذا من جهة، وإيقاع أسوأ الضر بالرئيس ترمب، والعمل على تشويه صورته في عيون الناخبين الأميركيين من جانب آخر .

أما لماذا هذه الأحقاد الدفينة تجاه ترمب، فأغلب الظن أن الحال يغني عن السؤال، وبخاصة أنه الرجل الذي تسبب في إعاقة كبرى لطموحها النووي الشرير، وقطع الطريق على الكثير من رؤاها للهمينة في إطارها الجغرافي .

ما قامت وتقوم به إيران تجاه الولايات المتحدة من الخطورة بمكان مما استدعى تصريحات رسمية من مدير المخابرات الوطنية الأميركية "جون راتكليف"، عن إرسال طهران معلومات مضللة وتهديدات للأميركيين تقوض ثقتهم وتنزع أهم عنصر في آلية الاختيار الحر، أي النزاهة، عن التصويت، ما يقود بالضرورة إلى المواجهة الأهلية والاحتراب الطائفي والعرقي بين الأميركيين وبعضهم البعض، ما يجعل من المواجهة المسلحة في الداخل الأميركي عقب الانتخابات قدرا لا فكاك منه .

كيف تمكنت السلطات الأميركية من اكتشاف أبعاد الفتنة الإيرانية، وفي هذا التوقيت العصيب الذي تمر به البلاد؟

بدون الإغراق في المسائل الفنية، من الواضح أن الهاكرز الإيراني قد ارتكبوا بعض الأخطاء الفنية، فيما يقومون بإرسال رسائل التهديد لناخبين ينتمون للحزب الديمقراطي، الأمر الذي يمكن أن يفسر على أنه من فعل الجماعات اليمينية الأميركية المتطرفة، وبعضها يزخم ويدعم الحزب الجمهوري، ما يفتح الباب واسعا لما تحلم به إيران، ألا وهو التشارع والتنازع الهيكلي في روح الأميركيين، ذاك الذي يبدأ أيديولوجيا، ولا ينفك يضحى لوجستيا، ويتمثل في نهاية المطاف، بشق الصف الأميركي الواحد، وإمساك النيران بأهداب الثوب الأميركي .

في هذا السياق وعقب توجيه الاتهامات بشكل رسمي لإيران، كان الإنكار التقليدي من قبل الملالي ينطلق عبر التصريحات المنحولة أبدا ودوما، إذ نفى "علي رضا مير يوسفي"، المتحدث باسم بعثة إيران لدى الأمم المتحدة أن تكون إيران قد سعت للتدخل في الانتخابات الأميركية، وأنه لا مصلحة لإيران في ذلك، كما أن القيادة الإيرانية لا تفضل نتيجة معينة".

يدرك القاصي والداني أن التصريح الإيراني المتقدم يخلو من أي مصداقية، وأن إيران لا تداري أو تواري شهوة قلبها في هزيمة ساحقة مريرة لترمب، وأن يرتقي بايدن سدة البيت الأبيض، ذلك أن تصريحاته تصب صبا في إطار اتفاق جديد مع الملالي حول برنامجهم النووي، اتفاق سيقود حكما إلى أن تمتلك إيران عند لحظة زمنية قريبة سلاحها النووي، وساعتها سيكون من اليسير تركيبه على الصواريخ الباليستية البعيدة المدى، تلك التي باتت تمتلكها، بما يهدد القريب والبعيد، مرة وإلى الأبد .

يؤمن الملالي إيمانا مطلقا بأن فوز ترمب مرة أخرى سيكون نكبة وطامة كبرة بالنسبة لهم، وأن بايدن هو الجواد الرابح، وفي الخلفية من الديمقراطيين اليوم يظهر أوباما صاحب مشروع تسليم الشرق الأوسط على المفتاح للجماعات الأصولية الراديكالية بالمعنى السلبي للكلمة وليس الإيجابي الذي ذهب إليه من قبل كارل ماركس.

المتابع لتصريحات الاستخبارات الأميركية خلال الأسبوعين الماضيين، يمكنه أن يدرك قدر الانزعاج الذي يلف المسؤولين عبر كافة الوكالات، وتهديدهم بالثأر وعدم التسامح مع كل من تسول له نفسه التدخل في إرادة الناخبين الأميركيين، الأمر الذي يعني هجوما على الديمقراطية الأميركية نفسها، لاسيما وأن المسألة هنا ليست حزبية، بل وطنية قومية، ومرتبطة بأبجديات الحياة السياسية الأميركية، من يوم التوقيع على وثيقة الاستقلال وحتى الثالث من نوفمبر المقبل .

هل ستوجه إدارة الرئيس ترمب لطهران ضربات قوية لا تصد ولا ترد خلال الأيام القليلة القادمة وقبل يوم الانتخابات الأميركية؟

إيران في واقع الحال لا تفهم لغة العقل أو المنطق، بل تخضع صاغرة كل مرة لأفعال العسف والخسف، ومن هنا يمكن للمرء أن يتفهم أن هناك عقوبات قاسية تخطط إدارة ترمب لفرضها لتعزيز الضغط الأقصى الذي تمارسه واشنطن على طهران .

العقوبات هذه المرة لن تكون أميركية فحسب، بل إنها ستجبر جهات دولية على إعادة النظر في علاقتها مع إيران، وغالبا ما ستصب جام غضبها على قطاعات تستغلها طهران لتمويل أنشطة إرهابية، وتشمل صناعات البتروكيماويات والمعادن، وبالأخص قطاع الطاقة .

من الإرهاب المباشر، وتصدير الثورة المقيتة، مرورا بحروب الوكالة، وتعزيز الفتن، وتفتيت الأنسجة الاجتماعية للدول والجماعات في الإقليم، تسعى طهران لتلعب دورا سيبرانيا سيئ السمعة في الداخل الأميركي، ويغيب عن إدراكها أن الأميركيين سيتناسوا الحزبية في لحظة بعينها، وسيعلوا من شأن الوطن، وساعتها سيكون الحساب صارما ضد كل أشكال الفتن والمؤامرات الخارجية، والإيرانية بنوع خاص .

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.