اليوم العالمي لشلل الأطفال.. في ظل كورونا

الدكتور أحمد المنظري

نشر في: آخر تحديث:

عندما نعود بأذهاننا للوراء قليلاً ونستذكر الأحداث التي حفل بها عام 2020، سنجد الأفق غائماً لا تلوح فيه سوى قليل من بوارق الأمل البعيدة المنال، وسنجده عاماً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى بعدما تفشّت جائحة كوفيد-19 في أرجاء العالم كافةً لتواصل حصد الأرواح وتُضيّق الخناق على سُبل عيش الكثيرين، باعثةً في قلوبنا الخوف والحزن وتاركةً أسئلة لم تتمكن البشرية من الإجابة عنها حتى اليوم.

ورغم هذا المشهد المحزن بأحداثه المؤسفة، فإننا نحتفل اليوم بمناسبة خاصة نثمّن فيها عالياً جهود أبطال استئصال مرض شلل الأطفال في جميع أنحاء العالم تحت عنوان "اليوم العالمي لشلل الأطفال"، حيث نتأمل معاً في التقدم المُحرز والدروس المستفادة وأهمية تحقيق هدفنا المنشود الذي لطالما ندرك أنه في متناول أيدينا، ألا وهو استئصال شأفة فيروس شلل الأطفال. ولكن على خلفية ارتفاع حالات الإصابة بشلل الأطفال في المنطقة وتسجيل أعلى مستويات الإصابة منذ خمس سنوات تزامناً مع استمرار تصاعد أعداد الأطفال المصابين، فإنه من السهل القول بأن هذا العام لا يُعتد به ضمن برنامج مكافحة شلل الأطفال، ولكنه بالأحرى إحدى الثمار السلبية التي خلفتها جائحة كوفيد-19. ولكنني لا أتفق مع هذا الرأي، سأخبركم لماذا، فقد كان عام 2020 بالنسبة لبرنامج مكافحة شلل الأطفال على مستوى المنطقة، على نحو غير متوقع، بمثابة محطة هامة لتجديد روح الإبداع وتعزيز قدرتنا على الصمود في وجه مختلف التحديات.

في مارس الماضي، اندلعت جائحة كوفيد-19 وانتشرت في شتى بقاع الأرض كانتشار النار في الهشيم وأخذ منحنى الإصابة في الارتفاع بوتيرة متسارعة، ورغم ذلك فقد شهدنا أداءً لا أروع منه من جانب زملائنا في جميع أنحاء المنطقة الذين قدموا دعماً استثنائياً في قطاع الصحّة العامة، حيث كرسوا أدواتهم ومواردهم في مواجهة ودحض هذه الجائحة التي لم تشهدها البشرية من قبل. في حين تم تكريس شبكات تتبُّع الحالات المصابة والمخالطين، التي تم تطويرها على مدار عقود بهدف مكافحة شلل الأطفال، لدعم تتبُّع الحالات المصابة بفيروس كوفيد-19 والمخالطين المقربين لهم. وانتقالاً من دولة إلى أخرى ، كثّف فريق المراقبة جهودهم ومساعيهم لفحص آلاف المرضى يومياً، ليتحوّل تركيزهم إلى رصد مجموعة جديدة من الأعراض، وهي الحمى والسعال والتهاب الحلق والصداع.

وعليه، تحوّلت الكوادر والأطراف الفاعلة في مكافحة شلل الأطفال إلى أبطال خط الدفاع في مواجهة كوفيد-19، متسلحين بمعدات الوقاية الشخصية لأخذ مسحات الفحص وإخضاعها للاختبار. كما انتقلت الكوادر العاملة في قطاع الصحّة والخبراء الناشطون في التعبئة المجتمعية، الذين كانت تكمن مسؤوليتهم في توعية الآباء وأولياء الأمور حول شلل الأطفال ودعم جهود التحصين، إلى ميدان جديد لمحاربة هذا الفيروس الحديث الذي تسبب في تفشي حالة من الاضطرابات والقلق، حيث لم يبخلوا بجهودهم في الإجابة عن الاستفسارات والاستماع والتعرّف على مخاوف الأفراد، كما عززوا توعية ملايين الآباء حول كيفية غسل أيديهم وأيدي أحبائهم الصغار بشكل صحيح. وهنا تكمن أهمية الوعي المجتمعي ، ولعل ذلك كان واضحاً وبقوّة في برنامج مكافحة شلل الأطفال الذي نجح في تحقيق ذلك بكفاءة وسرعة، ولا سيّما داخل المجتمعات التي تنتابها الشكوك حيال اللقاحات أو تلك التي تعارض البرنامج وفكرته من الأساس. وإجمالاً، نجحت هذه الكوادر والأطراف الفاعلة في تعزيز أواصر الترابط بين المجتمع والوعي الصحيح حول هذه الجائحة.

وتضرب باكستان مثالاً رائعاً في هذا الصدد، إذ شكّلت الإمكانات القوية في جمع البيانات الفورية وتحليلها لدى "مركز عمليات الطوارئ لاستئصال شلل الأطفال" مصدراً هاماً وحيوياً في خصائص الفيروس ورصد الأدلة اللازمة، مما رسم ملامح المسار الصحيح في اتخاذ القرارات الرفيعة المستوى على المستوى الوطني والإقليمي أثناء مواجهة هذه الجائحة.

وبجانب هذا التحدي الهائل الجديد، واصل برنامج مكافحة شلل الأطفال مراقبة ورصد أعراض شلل الأطفال، والتي كان أبرزها وأكثرها وضوحاً الشلل الرخو الحاد في أعضاء الطفل – وهو عبارة عن فقدان مفاجئ لقوة العضلات وتوترها في أحد أطراف الجسم. وفي نهاية مارس الماضي، توقفت أنشطة التطعيم واللقاحات، لأنه ببساطة كان إرسال المسؤولين عن اللقاحات والتطعيم خلال هذه الفترة العصيبة بمثابة المخاطرة بحياتهم.

وقد نجحنا، من خلال جهودنا الإقليمية وبرنامج مكافحة شلل الأطفال، في استخلاص الحقائق كما أجرينا تقييماً للوضع الراهن المتغيّر بوتيرة متسارعة على أرض الواقع وأعدنا تقييمه، وخلصنا إلى مجموعة من البروتوكولات التي من شأنها تطعيم الأطفال ضد شلل الأطفال بشكل آمن وسليم، حتى في خضم الجائحة الحالية. وعندما طالبت المؤسسات والمنظّمات العاملة في القطاع الصحي بجميع أنحاء العالم بضرورة ارتداء الأقنعة والقفازات وغيرها من معدات الوقاية الشخصية، نجح القائمون على برنامج مكافحة شلل الأطفال في توفير خط إمداد مخصص لتوفير هذه المستلزمات والأدوات الحيوية، على المستويات المحلية، وتوريدها إلى فرق العمل الميدانية. فضلاً عن ذلك، تم تدريب آلاف العاملين في مكافحة شلل الأطفال في جميع أنحاء المنطقة حول كيفية الانسجام ضمن آلية العمل الجديدة، وصراحة لم يكن الأمر بالسهل في بعض المناطق والدول مثل الصومال والسودان واليمن، خاصًة في ظل القيود المفروضة على الحركة والتنقل وناهيكم عن بنيتها التحتية الهشّة.

وفي شهر يوليو، استأنفنا جهود التطعيم والتحصين ضد شلل الأطفال، وشمل ذلك سلسلة من الحملات في باكستان وأفغانستان وسوريا وبعض المناطق في اليمن، والتي تبعتها الصومال خلال شهر سبتمبر. ومن المقرر أن تنطلق حملات مماثلة قريباً في السودان واليمن. ولا شك أن جائحة كوفيد-19 قد كبدتنا خسائر فادحة، فقد فوتت علينا فرصة تطعيم نحو 50 مليون طفل، وإننا نلمس آثار ذلك جليةً خاصةً في ظل وجود فجوّة تمنيع كبيرة بل ومتنامية، ليس فقط ضد شلل الأطفال ولكن أيضاً ضد الحصبة والديفتريا وغيرها من الأمراض الأخرى التي يمكن الوقاية منها باستخدام اللقاحات. وهذه الأمراض تهدد أرواح مئات الملايين من الأطفال في شتى بقاع المنطقة.

وبالنسبة للعديد من الأطفال، جاء استئناف حملات التطعيم بعد فوات الأوان، حيث أصيب عدد من الأطفال بالشلل بسبب فيروس شلل الأطفال البري في باكستان وأفغانستان خلال العام الجاري، كما أدت فاشيات فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاحات، وهي سلالة تظهر بين صفوف أفراد المجتمعات التي تعاني من نقص المناعة بشكل مزمن، إلى إصابة الأطفال بالشلل في تلك البلدان بالإضافة إلى الصومال والسودان واليمن.

نحن حالياً في وضع احترازي، ولا شك في ذلك، لكننا نعلم جيداً الخطوة اللازم اتخاذها، ألا وهي: تطعيم كافة الأطفال دون سن الخامسة بلقاح شلل الأطفال. وفي ضوء الأدوات والحلول الجديدة التي تلوح في الأفق مثل لقاح شلل الأطفال الفموي الجديد، الذي يُعد طريقة أكثر فعالية للسيطرة على حالات تفشي فيروس شلل الأطفال المشتق من اللقاحات، فإننا نأمل في تسريع وتيرة جهودنا ومساعينا بينما نمضي قدماً نحو تحقيق هدفنا الأسمى. ولكن ما يجعلني متفائلاً جداً هو الاختبار الذي خضع له برنامج مكافحة شلل الأطفال خلال هذه الفترة، حيث تمكّنا من تتبع المخالطين للحالات المصابة ونجحنا في تحقيق إنجازات رائعة ضمن عدد من المجتمعات الأكثر عزلة في المنطقة، بل وتواصلنا وتحدثنا إلى الآباء، ولكن لم ندرك مدى قوّة كوادرنا وبنيتنا التحتية في منظومات الرعاية الصحية داخل المجتمعات الأكثر ضعفاً في المنطقة بالإضافة إلى دورهم المحوري في ترجمة أهداف رؤيتنا الإقليمية لتحقيق الصحّة للجميع وبالجميع. واليوم هو مناسبة بارزة للاحتفال بما حققناه من إنجازات.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، أشرفت على تنظيم الدورة السابعة والستين من اجتماع الجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية في منطقة شرق المتوسط – وهو لقاء يجمع بين وزراء الصحّة ووفداً من المسؤولين الممثلين رفيعي المستوى من 22 دولة بالمنطقة بجانب الشركاء من المنظمات والمؤسسات والأطراف الفاعلة في المجتمع المدني. وقد تناولت أجندة هذا الاجتماع عدة قضايا جاء على رأسها شلل الأطفال، ويُعزى ذلك إلى جهودهم المبذولة في استئصال شأفة هذا الفيروس تماماً إلى جانب مساهماتهم الرئيسية في الاستجابة للتحديات التي فرضتها جائحة كوفيد-19 على مستوى المنطقة. وقد استمعت إلى زملائي المشاركين من برنامج مكافحة شلل الأطفال أثناء تطرقهم إلى الحديث عن العام الجاري وما صحبه من تغيرات ومستجدات، ومن بين ذلك فقدان ثلاثة زملاء بسبب الإصابة بفيروس كوفيد-19، وغيرهم من أبطال خط الدفاع الأول في قطاع الصحّة الذين ضحوّا بأرواحهم بسبب تفانيهم والتزامهم بإنجاز المهمة، وقد خالجتني حينها مشاعر مخلوطة من التواضع والامتنان.

واختتم هذا الاجتماع فعالياته بالإشادة بجهود برنامج مكافحة شلل الأطفال، مع تقديم دعم واسع النطاق من خلال تشكيل لجنة إقليمية فرعية جديدة تركز على تعبئة الإرادة السياسية بهدف تمهيد الطريق أمام جهودنا وصولاً إلى القضاء على شلل الأطفال نهائياً. وعند بلوغ هذا الهدف، وليس لدي أدنى شك في ذلك، سنتبنّى هدفاً آخر وهو إرساء أسس آلية صحية عامة وشاملة، بالتعاون مع مجموعة من أكثر الكوادر الصحية التزاماً وتفانياً الذين التقيت بهم شخصياً وأجدهم مؤهلين ومستعدين استعداداً كلياً لمواجهة التحدي التالي ضمن رحلتنا الرائعة.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.