صراع العمدة ورئيس الوزراء

عادل درويش

نشر في: آخر تحديث:

الحكومات، خصوصاً الديمقراطية بالانتخاب، تبذل أقصى الجهود لحماية الناس من وباء فيروس «كوفيد - 19 المستجد»، وفي الوقت نفسه تتعرض لضغوط مؤثرة فيما يتعلق بالإجراءات المتخذة، خصوصاً تأثيرها الاقتصادي، وعلى الحريات الفردية.
وليست لمعظم حكومات العالم خطط واضحة لمعادلة الحجْر الصحي المفروض على الأفراد والمجموعات بالاقتصاد وبالحريات العامة. فمن الصعب التكهن بسرعة انتشار العدوى بين كل مائة ألف من السكان. ونسبة «واحد» تعني أن كل شخص ينقل العدوى إلى شخص آخر. طريقة التعرف المضمونة اليوم هي اختبار من تظهر عليه الأعراض، ويرى الأطباء أن تكون النسبة دون الثلث في الواحد لإبطاء العدوى؛ أي ألا يزيد عدد من تنتقل إليهم العدوى المختلطين بعشرة حاملين للفيروس على ثلاثة. تقليل النسبة يكون باتباع إرشادات التباعد وإجراءات الوقاية. وهنا يتداخل علم الإحصاء مع العلوم الطبية، والخبرات الاقتصادية، وعلوم سيكولوجيا الجماعة وسلوكياتها.
فما لا يمكن التكهن به هو مدى استجابة الأفراد لتوجيهات وزارة الصحة، والالتزام بإجراءات الحجر، التي لا توجد وسيلة فاعلة لإقناع الناس بالالتزام بها. وحتى استخدام أذرعة القانون، كالبوليس، ليس بالإجراء المؤثر، فتنفيذ القانون يتطلب ليس فقط تعاون المواطنين، بل أيضاً اقتناعهم بأن القانون في مصلحتهم، وأنه يتسق مع المنطق العام والصالح العام، من الناحية البديهية.
النقطة الأخيرة أكثر ملاحظة في بريطانيا من أي بلد ديمقراطي آخر؛ فالشعب هنا، تقليدياً، يتوجس من الحكومة والمسؤولين، ولا يثق بهم.
ورغم اتخاذ الحكومة إجراءات اقتصادية أخيراً لدعم العاملين وأصحاب الدخول المتواضعة، فإنها في موقف لا تحسد عليه، إذ تتنازعها قوى تسحبها في اتجاهات شتى.
الليبرتاريون، بما فيهم العشرات من نواب المحافظين، الذين تعتمد عليهم حكومة بوريس جونسون لضمان أغلبيتها لتمرير القرارات البرلمانية، يريدون فتح الاقتصاد ويحذرون من أن المديونية التي فاقت هذا الأسبوع ما قيمته 131 مليار دولار، ستسبب وفيات بسبب الفقر والبطالة، أكثر من وفيات الوباء. الأطباء والناس العاديون يطالبون بمزيد من إجراءات العزل والحجر (بدعم 63 في المائة من استطلاعات الرأي).
وهناك مجموعات أخرى تتظاهر احتجاجاً (آخر مظاهرة في لندن منذ أسبوعين اشترك فيها أكثر من 50 ألف شخص) على إجراءات الحكومة، مشككة في نواياها. التيار مقتنع بأن فيروس «كورونا» هو مجرد فيروس إنفلونزا آخر، وأن حكاية الوباء العالمي هي مؤامرة تنسج خيوطها الطبقة الحاكمة والمؤسسة السياسية للتحكم في البشر والناس وتسييرهم في نظام شمولي. بل إن الإجراءات غير المسبوقة التي تتخذها الحكومة لدعم العاملين (بأكثر من ثلاثة أرباع دخلهم لستة أشهر أخرى حتى نهاية أبريل/ نيسان المقبل)، وهي اشتراكية غريبة على حكومة محافظة، يعتبرها هذا التيار دليلاً على نمو نزعة شمولية داخل المؤسسة الحاكمة ستجعل العاملين يعتمدون على الحكومة بقية حياتهم، وبالتالي يسهل التحكم فيهم.
الأزمة أيضاً أظهرت تناقضاً وصراعاً آخر ظهر مع الدولة القومية الحديثة وجنوح الشعوب المتقدمة إلى أنظمة التمثيل الديمقراطي؛ وهو الصراع بين الدولة المركزية والحكومات والإدارات المحلية في الأقاليم والمراكز الصناعية ومراكز النشاط الاقتصادي الكبيرة.
في بريطانيا، تمويل النظام الصحي على المستوى القومي للمملكة المتحدة كلها، بما فيها بلدان الاتحاد المستقلة نسبياً كاسكوتلندا وإمارة ويلز وآيرلندا الشمالية، كذلك الخزانة العامة التي تحدد وزارة المالية أوجه الإنفاق منها.
لكن التعامل مع المستشفيات وإجراءات إنفاق الميزانية تتناولها الحكومة المنتخبة لكل من بلدان المملكة المتحدة الأربعة. إنجلترا، أكبر أمم الاتحاد وأكثرها ازدحاماً بالسكان (56 مليوناً و290 ألف نسمة أي 84.2 في المائة من سكان المملكة) ليست لها حكومة منتخبة، أو برلمان وميزانية خاصان بها، كحال البلدان الثلاثة الأخرى.
لكن في إنجلترا نظام عمدة المدينة، والمجلس المحلي، وأكبرهم عموديتا لندن ومانشستر. مانشستر (عدد سكانها مليونان و370 ألفاً) وميزانيتها هذا العام ما قيمته 863 مليون دولار، والأكبر هي مدينة لندن الكبرى وعدد سكانها تسعة ملايين. ميزانية عمودية لندن 719 مليون دولار لعام 2020. وهي إضافة إلى 32 بلدية أخرى في لندن يتوزع عليهم السكان ولكل منهم ميزانية خاصة. العمد والمجالس المحلية ينفقون من الميزانية على التعليم والرعاية الاجتماعية والإسكان والبوليس. والاستثناء بوليس العاصمة، إذ يتبع ميزانية وإدارة عمدة لندن لا المجالس الـ32.
المشكلة تفجرت هذا الأسبوع، بين حكومة جونسون، في الإجراءات التي تتخذها بشأن الحجر الصحي، وبين العمد والمجالس المحلية. الحكومة في مأزق موازنة التيارات المتناقضة المصالح. ففي محاولتها استمرار النشاط الاقتصادي، ولو جزئياً، تتبع سياسة الحجر الصحي الجغرافي. أي العزل فقط في مناطق ترتفع فيها نسبة العدوى بالفيروس. هذا الأسبوع فرض الحظر في إمارة ويلز كلها، وليفربول، وجنوب مقاطعة يوركشير، ومنطقة مانشستر الكبرى التي تصادم عمدتها، أندرو بيرهام، مع الحكومة، وعقد مؤتمرات صحافية يهاجم فيها رئيس الوزراء جونسون. ورغم وجود بعد سياسي في المسألة، لأن بيرهام نفسه كان وزيراً للصحة في حكومة توني بلير العمالية، فإن همه البعد المالي. فبيرهام طلب دعماً مادياً إضافياً لميزانيته (إضافة إلى 78 مليون دولار منحتها الخزانة لمانشستر). لكن هناك إشكالية حقيقية تواجه أي حكومة مركزية تتخذ قرارات في العاصمة تجدها البلديات المحلية غير ملائمة للأنماط الاقتصادية والثقافية الاجتماعية المحلية. فنظام المتابعة الصحية بمراكز للاتصال بمن يحتمل إصابته بالعدوى هو نظام مركزي على المستوى القومي (call centres)، كذلك مراكز الاستشارة بالتليفون التابعة لوزارة الصحة. والعاملون الذين يجيبون عن أسئلة المستفسرين أو ينصحونهم بإجراءات العزل، يجيبون من لوائح معدة مسبقاً وببرامج كومبيوتر جاهزة صممتها وكالات مركزية على المستوى القومي. الساسة المحليون، كالعمدة بيرهام، يرون نقل إدارة التعامل مع الوباء إلى المستوى المحلي. المستفسر من قرية صغيرة قليلة السكان، لن يثق بنصائح متخصص أجاب عن سؤاله من وراء مكتبه في لندن؛ فالأخير لا يعرف موقع القرى جغرافياً ولا عدد سكانها، ولا يدرك أن خروج الشخص لشراء الحاجيات أو لرعاية حيوانات مزرعته في الريف لن يصادف من ينقل العدوى إليه أو منه. والمسؤول في العاصمة لا يعرف هذه التفاصيل، فينصحه بإغلاق المزرعة أو البقاء في بيته.
خلاف العمدة مع رئيس الوزراء، قديم، جدده وباء «كورونا» - الذي قد يغير النظام السياسي مثلما نتوقع تغييره للنمط الاقتصادي الإنتاجي والاستهلاكي بعد أن غير الثقافة الاجتماعية نفسها.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.