هل هي جولة إنقاذ ما تبقى ؟ (جولة الكاظمي الأوروبية)

أثير ناظم الجاسور

نشر في: آخر تحديث:

من المؤكد أن صانع القرار العراقي يعيش لحظات حرجة خارج سياقات المألوف في إدارة الدولة وتفكيك مشاكلها التي لا تنتهي وهو يواجه أخطاءه ومشاكله وتحديات الداخل والخارج ، فهي لحظات حرجة وهو يواجه جملة من التحديات والصعاب في حال إهمالها أو التهاون معها لا يهدد مكانته ومركزه السياسي بل يهدد مضمون الدولة بكل تفاصيلها الذي تأخذه بالضرورة إلى انهيارات اقتصادية وسياسية واجتماعية

منذ تسلم السيد الكاظمي مهام رئاسة الوزراء ولغاية اليوم نراه يخاطب الجمهور بلغة العاطفة التي لا جدوى منها في خضم هذه التطورات التي باتت خطراً كبيراً على الدولة، إلى جانب محاولته مسك العصى من الوسط وهذا لا يمكن إدراكه في عالم السياسة والقيادة خصوصاً في وضع العراق الحالي، يسير أمام خيارين الأول خيار المواجهة وتحدي كل الصعاب والسير باتجاه فتح الملفات التي يشير إليها في كل مناسبة، والخيار الثاني هو الأضعف على اعتباره يعالج كل القضايا الحساسة بالوعود لغير المجدية والإصرار على الذهاب لانتخابات لعلها تغير الحال وهنا تكمن الكارثة بعد أن صوت مجلس النواب على قانون انتخابات يتناسب مع وضع الأحزاب والكتل المتنفذة، الجميع يعلم أن ما نعيشه من أحداث ومشاكل هي تراكمات السنوات السابقة بعد أن عجزت كل الحكومات من رسم سياسات مالية واقتصادية وخطط ستراتيجية لمواجهة الأزمات أوصلت الجميع لنقطة اللاعودة بالرغم من خطورتها.

بما أن المقدمات كانت تعاني من علل ومشاكل المحاصصة والفساد والمحسوبية فان النتائج كانت عبارة عن مخرجات مشوّهة لا ترتقي لمخرجات نظام سياسي ثابت حتى أنها لا ترتقي بالحديث عن نظام سياسي قائم بهذا الشكل ، وبسبب السياسات المتعثرة والضعيفة فقد صانع القرار خصوصيته في صنع قراره طيلة هذه السنوات ، تارة التدخلات الحزبية التي تعمل على تعزيز مكاسبها وتارة التدخلات الخارجية التي عملت وما زالت على خلق نموذج ضعيف لا يرتقي إلى مصاف الدول أولاً ولا يستطيع تحديد بوصلته في عملية التفاعل والتشارك خوفاً من استقراره واستقلاليته التي بالضرورة ستؤثر على توجهات الداخل والخارج ثانياً، فبين أحزاب تحوّلت إلى مؤسسات ربحية همها الأول جمع أكبر المكاسب لها وبين دول مجاورة وإقليمية وعالمية تحاول أن تكون المسيطرة وصاحبة النفوذ ، بات صانع القرار يزاول عمله على أساس التبعية والتنفيذ، وهنا كان لا بد أن يتعرف كل من في السلطة على أن إدارة شؤون الدولة باتت بيد مجاميع الأحزاب التي أصبحت بفعل سياسة الكعكة أمراً واقعاً.

من الضروري أن يدرك صانع القرار أن الاعتماد على أطراف دون أخرى سواء داخلية أم خارجية يجعل من عمل الدولة مقيد بالمحصلة يجرها إلى ساحات لا تتناسب وسياسة المصلحة العامة، بمعنى أن الصراع الدائر اليوم في العراق المعلن إيراني – أميركي ووفق أدبيات وستراتيجيات الدولتين لا تسمح أن يكون العراق ضمن معسكر واحدة دون أخرى فهم بالظاهر لا يستطيعان التعاون والتفاعل فيما بينهما ، أما في قنوات السياسة الخفية هناك تخادم غير مباشر واضح يعلمه ويحسه كل من يعمل في السياسية ويدرك ما بين الأسطر، وهذا ما قد يحدد او بالضرورة سوف يحدد عمل الدولة وتوجهها ويعد ذلك خارج المنطق والعقل لأن السياسة تتطلب انفتاح في العلاقة لضرورات امنية وسياسية واقتصادية الخ، المسألة الأخرى قد تتحدث عن خيارات متعددة لا بد أن يمتلكها صانع القرار أهمها قضية الحليف والضامن خصوصاً والعراق يعاني من مراحل ضعف وهوان لم يمر بها في تاريخه الحديث، فالحليف الإيراني والأميركي باتا يُنظر اليهما بنظرة الشك سواء من مجموع الأحزاب أو المواطن العادي البسيط وقد تكون أدواتهما في العراق غير ذات جدوى أو غير مخلصة، بالتالي على صانع القرار العراقي الانفتاح وبشكل واضح على أطراف دولية لا يُشكك في نواياها أولاً ومنافس دولي يستطيع الضغط في والمساعدة في جوانب مهمة ثانياً.

قد يقرأ البعض هذه الجولة من أوجه مختلفة ، الأول جولة للدعم الاقتصادي كي يتم انتشال العراق من خطر الإفلاس والانهيار الاقتصادي الذي يهدد بدوره العملية السياسية التي أسست لها الولايات المتحدة بأدواتها الذين كانوا في المنفى والوجه الثاني من هذه الجولة نوع من جمع التأييد لغرض المساندة لسياسات وتوجهات الأيام القادمة وما تخبئه من قرارات خصوصاً والتحديات الداخلية كما يراها رئيس الوزراء تتطلب دعماً دولياً كبيراً، والثالث يتحدث عن أن صانع القرار العراقي يحاول أن يكون أكثر عقلانية في تعاملاته الدولية التي تصب في مصلحة الداخل العراقي، فالأوروبيون أو دول جولة الكاظمي أكثر مقبولية فيما إذا تعاون معهم في الداخل وعندما نقصد الداخل نحن نتحدث عن أحزاب وفصائل أعلنت بوضوح عدائها للولايات المتحدة الاميركية، كذلك هم أكثر مقبولية بالنسبة لدول الجوار إيران تحديداً وتركيا إذا ما توقعنا أن الأطراف الأوروبية تستطيع الضغط في جوانب متعددة أما دول الخليج فهي بالمحصلة تقبل كل الحلول التي تهدأ من حدة الصراع في المنطقة خصوصاً بعد قضية التطبيع التي من الممكن أن تشعل الداخل الخليجي، ومن الممكن أيضاً أن نتحدث عن الدور الأوروبي التي ترغب هذه الدول للعبه في العراق خصوصاً وهي تعمل على أن تكون مستقلة في سياساتها عن التوجهات الاميركية في المنطقة قدر المستطاع، إلى جانب قضايا أخرى تتعلق بالديون والاستثمار وأخرى خفية لا يعلمها إلا من قام بهذه الجولة وتفاصيلها، بالمحصلة على السيد الكاظمي أن يكون أكثر اتزاناً في تعاملاته مع القضايا الإقليمية والدولية وكيفية توظيفها على الداخل المتشنج، وأن يحدد توجهات الدولة ويكون على قدر عالٍ من المسؤولية وجعل مصلحة الدولة وسيادتها الأساس في جولاته وسياسته.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.