دراما العميم

حمزة المزيني

نشر في: آخر تحديث:

كتب الأستاذ علي العميم عدداً من المقالات في «الشرق الأوسط» أشار في أولاها إلى المقالات التي كتبتُها عن المقولة المنسوبة لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق، وليم غلادستون، التي تورَد بصيغ مختلفة وتتضمن دعوته إلى إحراق القرآن الكريم لكي يسود السلام في أوروبا. ووصف الأستاذ العميم، مشكوراً، تلك المقالات بـ«الممتازة التي [كنتُ!] فيها... الأكاديمي الوحيد في العالم العربي وفي العالم الإسلامي الذي تصدى لتمحيص صحة ما نُسِب إلى غلادستون في هذين العالمين. وهي مقالات لا غنية عن الرجوع إليها للاستفادة منها...».
وقد بادر الأستاذ العميم في الحلقة الثانية ليسترد ذلك المديح! إذ قال إنه «لا يصدق [بتلك المقولة] في هذين العالمين سوى جمهور الخطاب الإسلامي...».! ويعني هذا عدم أهمية ما كتبتُه عنها!
وكان هدف الأستاذ العميم تفنيدَ ملاحظاتي، في تلك المقالات، على تصرُّف الدكتور عمر فرُّوخ في تلك المقولة في ترجمته كتابَ محمد أسد «الإسلام على مفترق الطرق». إذ وصف ما كتبته عن ذلك بأنه «عدوان» على الدكتور فروخ، وأنه سيصد هذا العدوان «بقوة وصرامة وحزم»! («الشرق الأوسط»، 27-9-2010).
وسأُعرِض في مقالي هذا عن ملحوظاته الثانوية لضيق المجال.
وقد زعم الأستاذ العميم، لكي يقلل من أهمية ما كتبته، أني لا أعرف سياق العبارة المنسوبة لغلادستون عند «الإسلاميين الأتراك والإسلاميين الهنود». وهو يَعلم أني أشرت، في تلك المقالات التي قرأها وامتدحها، إلى ورودها عند بعض الكتَّاب البريطانيين المسلمين من أصول هندية، وأشرت إلى بعض الكتّاب الهنود البريطانيين الذين لم يُذكَر أنهم تكلموا عنها، كما تتبعتها، بعد توقفي عن الكتابة الصحافية سنة 2014، عند الأتراك وعلماء الدين العرب والإيرانيين، والسياسيين والمثقفين العرب، وفيما كتبتْه الصحف والمجلات العربية حتى وصلت بذلك التتبع إلى ورودها في إحدى المجلات العربية المشهورة سنة 1898، أي سنة وفاة غلادستون. وربما أزعم أني وضعت يدي على مصدرها الأول (وسوف أنشر ذلك كله في كتاب أحرِّره الآن بعنوان «أكاذيب عِشْنا بها»).
وربما يتساءل القارئ عن سبب غضب الأستاذ العميم مما كتبته عن الدكتور عمر فروخ. وسأبين أنَّ ما كتبه لا يعدو كونه «دراما» اختلق فيها قضية موهومة للإثارة وحْدها. وهي إثارة مبنية على أسس هشة ولا تنتسب إلى أي منهجية منضبطة.
فقد اتهمني بأني «افتعلت» ما كتبته عن الدكتور فروخ؛ وهذا اتهام باطل. فما كتبتُه يستند إلى ما أورده الدكتور فروخ في ترجمته ولم آتِ بشيء من عندي، كما أني لم «أحمِّل» الدكتور فروخ «وحده مسؤولية خطأ نسبة العبارة إلى غلادستون»، كما زعم الأستاذ العميم.
وأصل القضية أن الدكتور فروخ أورد العبارة المنسوبة لغلادستون ضمن تعليق طويل أدخله في متن ترجمته كتابَ محمد أسد ووضعه بين قوسين مركّنين [ ]. وكانت ملاحظتي استنكاراً لإيراد الدكتور فروخ، وهو الباحث الموثوق، تلك العبارة «التجييشية» من غير إسنادها إلى مصدر. وهو ما أدى إلى إيهام قراء ترجمته بأن محمد أسد هو الذي أوردها. كما لاحظت أنه كتب «ملحوظة!» في بداية ترجمته سوَّغ فيها إدخال تعليقاته في متن الترجمة تعلُّلاً بأن الحواشي تُكتب عادةً بخط صغير في الهامش فتكون مرهقة للقارئ مثل ما يرهقه الاضطرار للتنقل بين المتن والهامش!
ولكي أتأكد من الأمر رجعتُ إلى كتاب محمد أسد بلغته الإنجليزية فلم أجد العبارة فيه، وهو ما جعلني أتحدث عن تصرفات الدكتور فروخ غير المعهودة أكاديمياً مما تسبب في إيقاع قراء ترجمته في الوهم.
ويدافع الأستاذ العميم عن صنيع الدكتور فروخ هذا بقوله: «إن أي قارئ متمرس في القراءة لأي صفحة من صفحات [ترجمة عمر فروخ] موجود في متنها كلام محصور بين معقوفتين أو بين قوسين مركّنين، سيلفت نظره هذا الأمر حتى لو كان فتي السن، وسيرجع مباشرة إلى أول صفحات الكتاب أو إلى مقدمته، ليستطلع جليته، ولن يكلف نفسه عناء طَرْق باب بعيد، وهو باب النص الأصلي. هذا إذا ما كان يقرأ باللغة الإنجليزية».
والسؤال هو: لماذا لم يفطن أحد إلى أن ما بين القوسين المركَّنين [ ] في صفحة (43) من الترجمة هو من كلام الدكتور فروخ فيُنسب إليه؟ فقد ظل «المُجيِّشون» من «الفتيان» والكهول والشيوخ «المتمرسين» وغير المتمرسين يستشهدون بما بين هذين القوسين المركنين وينسبونه إلى محمد أسد، ولم يَلحظ أحد قط، بقدر ما قرأت، ذلك التصرف، ولم يتساءل أحد (غيري بالطبع!)، عن إن كان من زيادات المترجم.
ويحاول الأستاذ العميم التماسَ العذر للدكتور فروخ بأنه بيَّن تصرُّفه ذاك في «ملحوظته»، ومن هنا فاللوم يقع على الذين لم يتبينوا قصده. ومهما كان الأمر فالدكتور فروخ غير معذور في تصرفه هذا الذي لا تقره أساليب الكتابة العلمية. إذ يعرف حتى «الفتيان الناشئون!» أن وظيفة هذين القوسين لا تشمل ما فعله الدكتور فروخ.
ولم يكتف الأستاذ العميم بمناقشة هذه القضية؛ بل راح، في الحلقات التالية، يتكثَّر باستعراض معلوماته عن طبعات كتاب محمد أسد «الإسلام على مفترق الطرق»، واتهامي بعدم الاطلاع على تاريخ الكتاب وعدم «التمعن» في قراءته، وغير ذلك من التهم. وليس لهذا التشعب والتكثر أي صلة بما كتبته عن صنيع الدكتور فروخ.
وحاول الأستاذ العميم، باستماتة، أن يسوِّغ إدخالَ الدكتور فروخ تعليقاته في متن النص الذي يترجمه مستشهداً بموافقة المؤلفِين الذين تَرجم بعض مؤلفاتهم، مثل سارتون وحِتِّي وأسد، على صحة ممارساته. ولو سلَّمنا جدلاً بأنهم وافقوا على تصرفاته تلك فهم ليسوا حجة على الأعراف الأكاديمية المستقرة التي تمنع هذه الممارسات، وهي الأعراف التي شرَّعتها هيئات علمية معتبَرة ويلتزم بها كل باحث أو مترجم رصين. ولم تترك تلك الأعراف غُفلاً؛ فقد دوِّنت في مدونات عالمية مشهورة.
يضاف إلى ذلك أن الدكتور فروخ نفسَه يخالف ممارساته تلك في ترجمته هذه نفسها. ويخالفها في كتبه الأخرى كذلك، ومنها كتابه المشهور «تاريخ الأدب العربي»، مثلاً.
ولا تقتصر المآخذ العلمية على ترجمة الدكتور فروخ هذه على إدخال تعليقاته في متن ترجمته هذه. فقد قارنت الفصل الأول في ترجمته كتاب أسد بالفصل الأول في الكتاب باللغة الإنجليزية (نيودلهي، 1934) فوجدت مآخذ كثيرة تتكرر فيه، ومنها:
1 - تفكيك الفقرة الواحدة إلى فقرات.
2 - دمج بعض الفقرات في بعض.
3 - حذف كلام المؤلف من غير إشارة.
4 - إدخال كلامه (وليس تعليقاته) في مواضع كثيرة من غير إشارة إلى ذلك.
5 - ما ذكره الأستاذ العميم من «تخفيف» الدكتور فروخ بعض العبارات مراعاة للوضع في لبنان!
وطريف الأمر أن الأستاذ العميم عاد في الحلقة الخامسة من مقالاته («الشرق الأوسط»، 25-10-2020) بعد هذا التشعيب والتشتيت والتطويل والاستعراض، ليقول إن الدكتور فروخ غير معذور «من تحمل مسؤولية الخطأ الذي ارتكبه...». وهو إيراد المقولة المنسوبة إلى غلادستون من غير إسنادها إلى مصدر.
وما يقوله الأستاذ العميم هنا هو عينُه ما دعاني لكتابة ما كتبته عن تصرف الدكتور فروخ! وهو عينه ما وصفه الأستاذ العميم بأنه «عدوان» على الدكتور فروخ، وهو عينه الذي هبَّ الأستاذ العميم ليصده «بقوة وصرامة وحزم»!
وما دام أن هذه هي النتيجة التي انتهى إليها، فلماذا إذن هذه الدراما الصاخبة وما صاحبها من الشتم والتنقص والتطويل؟ وأين هو «العدوان» الذي ارتكبته في حق الدكتور فروخ؟
وخلاصة القول: إن ما كتبه الأستاذ علي العميم في سلسلة مقالاته تلك ليس إلا محاولة حبكة درامية عن قضية مختلقة لا يمتلك الدليل ولا البراعة في حياكتها. وهو ما أدى إلى فشل حبكته الدرامية هذه فشلاً ذريعاً.

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.