عزت الدوري وانقضاء أزمنة الحشود

رضوان السيد

نشر في: آخر تحديث:

عاش عزت الدوري نائب صدام حسين زمانين، وليس زماناً واحداً. عاش زمن الحشد القومي، الذي تزعّمه صدّام حسين بعد وفاة جمال عبد الناصر. ثم عاش زمان الحشد الإسلامي الذي انقضى ولم تنقضِ غوائله. فعزت الدوري ما كان بعثياً فقط، بل كان نقشبندياً أيضاً! لكنه بقدر ما كان عزيزاً ببعثيته ونقشبنديته أيام صدام، بقدر ما صار حياً كميت مقيماً تحت الأرض لنحو العقدين أيام الغزو الأميركي والصعود الشيعي، وظهور «القاعديات» و«الداعشيات». والطريف وغير الغريب، أنه ما اختفى من الأميركان، وشيعة إيران، بقدر ما اختفى من «الدواعش». فالنقشبندية طريقة صوفية، لكنها بخلاف الطرق الصوفية الأخرى، قاتلت بآسيا الوسطى والقوقاز والعراق ضد الغُزاة الأجانب من دون أن يغفر لها «الدواعش»، وهم السلفيون الجهاديون، تصوفها المعلَن. وقد كان هؤلاء في منشوراتهم يعتبرون الدوري «صوفياً ممخرِقاً»، أما مقاتلوه فما كانوا بحسب تلك المنشورات يقاتلون في سبيل الله، بل في سبيل الطاغوت! وليست للدوري أفكار كثيرة معروفة، لكنّ القليل المعروف عنه أنه كان يعتبر البعثي العراقي «صوفياً نذر نفسه للقضية العربية»! والمعروف عن صدام أنه بعد حرب الخليج الثانية أو الحرب على الكويت، وتحشد الإسلاميين من حوله، سيطرت عليه نزعة دينية وأعلن عن نسبه العَلَوي، وسيطر عليه منطق اعتبار الحشد القومي حشداً إسلامياً، مفتوناً بـ«فتوى» المعلِّم ميشال عفلق أن زعيم حزب البعث العربي، ولكي يستحقّ انتماءه، لا بد أن يكون مسلماً كارزماتياً تصوَّف للقضية العربية الكبرى! وهو الأمر الذي اعتقد الدوري أنه يفعله طوال عمره المديد الذي عزّ فيه بقدر ما تلوع.
أظن أنّ الواقعة حدثت في خريف العام 1985 حيث كنتُ أجلس بمدرّجٍ ضخمٍ في مدينة سرت، احتشد فيه مئات من الليبيين والعرب والأفارقة للاستماع إلى خطابٍ استمر ساعات للعقيد القذافي. وهو الخطاب الذي أعلن فيه التحول عن العروبة إلى الأفرقة! وقلتُ لنديم البيطار المفكر القومي المعروف الذي كان يجلس بجانبي؛ هل تسمع؟ لقد كتبتَ في الستينات عن الدولة - القاعدة، وكانت في القاهرة، ثم تحدثت في السبعينات عن «الكتلة التاريخية» التي تجمعت من حول صدام حسين. ثم نشرتَ 3 كتب بـ«معهد الإنماء العربي ببيروت» عن القيادة التاريخية للعروبة، وكانت بيد العقيد القذافي. ويوم أمس كنتَ تلومُني لأننا لم ننشر لك بمعهد الإنماء كتابيك الآخرين عن القيادة التاريخية العالمية للرجل! وما كنتُ أسخر من البيطار الشديد البراءة، الذي كان يعيش وقتها في كندا، واستدعَوه مثلنا (لبنانيين ومصريين ومغاربة) للاستماع إلى قائد ثورة الفاتح الذي خصّه بتحية عند دخوله إلى القاعة الضخمة. قال البيطار؛ لقد كان حدْساً من جانبي، وسوف أسأل العقيد عن الموضوع عندما أقابله. وقد قابله بالفعل، لكنه لم يخبرني وأنا لم أسألْه. على أنه ما عاد للمطالبة بنشر كتابيه، وإنما كتب لي من كندا أنه لن يعود إلى ديارنا!
لماذا خَلَف الحشْدَ القومي حَشْدٌ إسلامي؟ كانت المسألة دائماً؛ تحقيق دولة الوحدة، وتحرير فلسطين. وكان الخلافُ دائماً؛ أيهما يتحقق أولاً. وقد حدثت فذلكاتٌ كثيرة بعد أن تلونت القومية باليسار، ثم انقضى الأمران بعد غزو الكويت، وحدوث أوسلو عام 1993. وعندما كنتُ أستمع إلى خطابٍ للرئيس حافظ الأسد عام 1995 قال إن اتفاقية أوسلو ضربت الفكرتين؛ فكرة تحرير فلسطين وفكرة الوحدة! لكنّ محسن إبراهيم صديق عبد الناصر وياسر عرفات قال لي إن كلام الرئيس الأسد غير صحيح، ففكرة الوحدة أو مشروعها انقضى بوفاة جمال عبد الناصر، والانتفاضة الفلسطينية أوصلت إلى أوسلو، وليس من الممكن تحقيق أكثر من ذلك بعد أسْر المنطقة بالعودة الدولية بحجة تحرير الكويت! أما صائب عريقات فقد سمعتُه يقول في عمّان قبل سنتين؛ الفلسطينيون بدون العرب لا يستطيعون إنجاز الدولة التي طالبت بها المبادرة العربية للسلام عام 2002. فكيف وقد مات ياسر عرفات، وانقسم الفلسطينيون، وما عادت قضيتنا قضية أولى عربياً، وحملت الراية منذ العام 2008 جهات كلها غير عربية!
نحن نتحدث عن موتٍ متفاقم. مات المشروع ثم فني حَمَلتُهُ بالتدريج، وليس العكس. مات جمال عبد الناصر. ومات صدام حسين. ومات حافظ الأسد. ومات ياسر عرفات. ومات عزت الدوري. ومات محسن إبراهيم. أما صائب عريقات فيرقد بين الحياة والموت في مستشفى هداسا بفلسطين المحتلة!
ونستطيع إدانة الجيل ورجالاته، ونتذكر أخطاءهم وتراجعاتهم، وخلافاتهم التي لا تنتهي بالموت. إنما ينبغي ألا ننسى أنّ الذين حلُّوا محلَّهم هم أمثال بن لادن والزرقاوي وأبي بكر البغدادي.
أما القادة الأولون فقد أتى بهم الأمل الذي عاشوا به، ثم ماتوا مقهورين لأنهم لم يحققوه، من دون أن يعرف معظمهم أن المشروع مات قبلهم بزمان، وهم أسهموا في ذلك، شاءوا أم أبوا.
وأما قادة الحشد الثاني فقد أتى بهم الحقد والانشقاق واليأس، وتركوا وراءهم خراباً هائلاً، وتحويلاً للإسلام إلى مشكلة عالمية.
إنّ الطريف أنّ الزمن العربي والآخر الإسلامي للتحشد قد انتهيا، عندما كان فجر الحشود العسكرية والشعبوية تطلع شمسه في المحيط العربي وفي العالم الأَوسع. والطريف أيضاً أنّ الحشود العسكرية والشعبوية جميعاً ومن أوروبا إلى آسيا إلى الولايات المتحدة، تنسب جزءاً من ثورانها أو ثورانها كلّه إلى التحشد الذي كان عندنا، وباعتباره شراً على العالم، فهي تريد إزالته بالقوة.
إلى أين نحن ذاهبون، بعد انفضاض الحشود، وبعد تكالُب العالم علينا تارة لتخليصنا من شرور «الداعشيات»، وتارة للتربص في ديارنا حتى لا يعود الإرهاب، وتارة ثالثة للبحث في البر والبحر والجو عن ثرواتٍ، يستحقونها ولا نستحقها؟!
عندما مات عزت الدوري في كهفٍ من كهوف اختفائه، انصرف كثيرون إلى محاكمتنا باعتبار العواطف والذكريات التي حملها البعض عنه وعن العراق قبل عقود. لكننا في زمنٍ ثالث أتى إليه الدوري بالوفاة وليس بالحياة، وتبقى الصرخة؛ إلى أين نحن ذاهبون؟!

* نقلا عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.