كيف حظيت اللقاحات باهتمام البشرية في عام 2020

د. وليد زاهر

نشر في: آخر تحديث:

في العقد الماضي، كان يُنظر إلى اللقاحات على أنها أمر مسلّم به، وأنها ليست سوى بعض الجرعات الضرورية التي يتلقاها الأطفال في المدارس للوقاية من أمراض مثل شلل الأطفال أو الخناق (الدفتيريا) أو غيرها. لكن أنظار العالم بأجمعه تحولت إلى مفهوم اللقاحات خلال الأشهر الستة الماضية بشكل غير مسبوق في تاريخنا البشري، وأصبحت النشرات الإخبارية اليومية تستعرض لنا أحدث المستجدات حول تطوير اللقاحات عالمياً لمكافحة وباء كوفيد-19 ولمساعدتنا على العودة إلى مزاولة حياتنا الطبيعية.

لكن هذه الحوارات ليست جديدة في الواقع، فنحن نعرف اللقاحات منذ القرن السابع عشر عندما تم اكتشاف أول لقاح للجدري. كما أن التحصين والوقاية هي عادة قديمة جداً منذ أيام الرهبان البوذيين والحضارات الأخرى التي طبقت هذه الممارسة، بما في ذلك الممارسات التي قد تبدو مفرطة مثل استخدام سم الأفاعي لتعزيز المناعة.

لكن لم يكن أحد يعتقد أن العالم بأكمله سيعقد أمله على اكتشاف لقاح فعال لمكافحة الوباء واستئناف الحياة الاعتيادية. وهكذا يمكنا القول إن اللقاحات أضحت محور الاهتمام في عامنا الحالي وأصبحت بمثابة الأبطال الخارقين الذين سينقذون البشرية كما نرى في أفلام هوليوود.

لقد تم تسريع عملية تطوير اللقاحات واختبارها بشكل كبير. وأصبحت التقارير والإنجازات البحثية التي كانت تستغرق عقداً أو أكثر في السابق، تُختصر إلى أشهر فقط عبر تسريع المهام التنظيمية، وتحسين أنظمة البيانات، وتعزيز الشفافية، وإظهار الثقة بالبشرية. كما يتم إنفاق استثمارات هائلة على التجارب السريرية والتصنيع وتوريد اللقاحات.

لقد أحدث الوباء ثورة في عمليات إنتاج اللقاحات بطرق لم نشهدها من قبل. فمثلاً، أصبحت بروتوكولات اعتماد اللقاحات تتم بالتزامن مع التجارب والتصنيع والتوريد بهدف تزويد شعوب العالم بلقاح آمن وفعال بسرعة. وعلى الرغم من أن البروتوكولات والعمليات السريعة تطرح أمامنا تساؤلات حول سلامة اللقاحات وفاعليتها، فإن التعمق في العلوم التي تُبنى عليها التجارب ستكون كفيلة في محو هذه الشكوك.

تتبع تلك التجارب الإرشادات الدولية المتعلقة بالأبحاث والأخلاقيات وتستخدم أحدث التقنيات المعقدة لدعم جهود الحكومات، والشركات، والخبراء الطبيين، والعلماء، والباحثين في إطار تحالف عالمي يضم الخبرات السريرية والتكنولوجيا المتطورة، بهدف الوصول إلى حل لأكبر أزمة صحية نشهدها في عصرنا الحاضر.

وهنا في الإمارات، تم تطعيم 31000 من المتطوعين ضمن تجارب حملة "لأجل الإنسانية" التي تعد أولى التجارب العالمية للمرحلة الثالثة للقاح كوفيد-19 غير النشط. وهنا نطرح سؤالاً هاماً: على ماذا يحتوي هذا اللقاح؟

يتم حالياً تجربة سلامة ونجاعة لقاحين غير نشطين في إطار المرحلة الثالثة من التجارب السريرية، حيث تم تطوير هذين اللقاحين في معهدي ووهان وبكين للمنتجات البيولوجية التابعين لشركة "سينوفارم سي إن بي جي". وحققت المرحلتان الأولى والثانية من التجارب نجاحاً في توليد أجسام مضادة قوية. وتعد هذه التجارب جزءاً من التجارب مزدوجة التعمية التي تجري حالياً في الإمارات والبحرين ومصر والأردن، حيث شهدت مشاركة 41000 متطوع في التجارب التي تهدف إلى قياس فعالية اللقاح على شريحة أكبر من السكان بما يتوافق مع أبرز التجارب المماثلة حول العالم.

وتشمل الأنواع الرئيسية للقاحات ضمن أكثر من 200 تجربة عالمية تجري الآن، لقاحات غير نشطة، ولقاحات حية موهنة، ولقاح الوحيدات، ولقاحات التوكسيد. ويُعرف اللقاح غير النشط، وهو النوع نفسه الذي يتم اختباره في التجارب السريرية، بأنه يستخدم نسخة ميتة من الجرثومة أو مولد المضادات الذي يتسبب بالمرض، وذلك لمساعدة نظام المناعة على التحضير للإصابة بالمرض. وقد استخدم هذا النوع من اللقاحات بنجاح للوقاية من الإنفلونزا والتهاب الكبد والخناق.

وفي الولايات المتحدة، تُصنف لقاحات الفيروسات غير النشطة بأنها ثاني أكثر نوع شائع من اللقاحات المرخصة، حيث أثبتت أنها من أكثر أنواع اللقاحات سلامة على البشر. من ناحية أخرى، تستخدم اللقاحات الحية الموهنة نسخة ضعيفة من الجرثومة لتوليد استجابة مناعية أقوى، وتُستعمل هذه الأنواع من اللقاحات للوقاية من أمراض الحصبة وتورم الغدد اللعابية (النكاف) والسل. ويتم إنتاج لقاح الوحيدات عبر عزل بروتين معين من الفيروس، في حين تُصنع لقاحات التوكسيد من خلال رفع حرارة التوكسين أو باستخدام الفورمالديهايد.

حالما تنتهي مرحلة التجارب الثالثة، ستبدأ المرحلة الرابعة على أرض الواقع عقب الحصول على المراجعات والموافقات التنظيمية اللازمة، حيث تعد هذه المرحلة الأخيرة قبل تأمين الموافقة لبدء التصنيع.

إننا نعيش فترة استثنائية، لكن التطورات الحاصلة في قطاعات التكنولوجيا والطب وتعاون الدول للاضطلاع بعالم آمن من تداعيات وباء كوفيد-19 هو أمر رائع بالفعل، خاصة أن مسيرة البحث عن لقاح فعال وناجح أصبحت محور الاهتمام. إن المكونات الصغيرة في قوارير اللقاحات ستصبح بمثابة الأبطال الخارقين الذين سيساعدون البشرية على العيش والسفر والتحرك بحرية مرة أخرى.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.