الكاظمي رجل وحيد بخزانة فارغة

فاروق يوسف

نشر في: آخر تحديث:

فشل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في منع الأحزاب والميليشيات من الاستمرار باستنزاف الميزانية العراقية، بطريقة صارت الحكومة تبدو معها مكشوفة في عجزها عن تسديد رواتب موظيفها الشهرية.
لم يقع ذلك الفشل فجأة، فهو نتيجة تراكم عمليات الفساد وما صاحبها من إفراغ لما هو مسموح للحكومة بأن تسحبه من أموال من الخزانة العراقية في ظل تناقص الوارادات بسبب انخفاض أسعار النفط.
كان ذلك أمراً متوقعاً.

فالرجل الذي اختير ليكون رئيساً لحكومة انتقالية، لم يكن ليجد نفسه إلا وحيداً في محاولته تصريف شؤون الدولة، بسبب قناعة زعماء الأحزاب والميليشيات بأن وجوده في منصبه إنما هو محاولة لملء فراغ ليس إلا. ولم يفكر أحد في ما يمكن أن يواجهه من صعوبات.

ذلك الرجل الوحيد بخزانة فارغة، يتوهّم الكثيرون أن الولايات المتحدة تقف وراءه وهو يحكم بلداً تهيمن عليه إيران من خلال أحزابها وميليشياتها التي تملك مطلق الحرية في الحركة داخل المنطقة الخضراء التي لا تقع فيها السفارة الأميركية وسفارات الدول الأوروبية فحسب، بل أيضاً مقر حكمه. بمعنى أنه يقيم في منطقة تهيمن عليها الميليشيات.

يعرف الكاظمي أنه ليس رئيس حكومة لتصريف الأعمال. لذلك وعد في بداية عهده بما اعتبره الكثيرون نوعاً من الخيال العلمي.
لم يكن أحد ينتظر أن يكون رئيس الحكومة المعين قادراً على تنفيذ جزء من المطالب التي رفعها المحتجون الشباب في تظاهراتهم التي أسقطت حكومة عادل عبد المهدي ووقفت حائلاً دون تعيين أحد مرشحي الأحزاب. وهو الجزء المتعلق بإصلاح شؤون الدولة وخفض مستوى الفساد من خلال مراجعة قوانين صدرت في عهد نوري المالكي ويُعتقد أنها تقف وراء عمليات نهب منظم للمال العام.

غير أن رئيس جهاز الاستخبارات السابق كان يعد نفسه بأن يكون قادراً على إحراج الأحزاب بمطالب المحتجين، كونه في الجزء الأكبر من أسباب توليه منصبه، كان عنصر تهدئة للشارع الغاضب. وهو ما كان ممكناً حصوله لولا أن إيران قررت التصعيد مع الولايات المتحدة وكان العراق هو ملعبها المفتوح على كل ما ترغب في القيام به.

وحتى في الحوار الإستراتيجي الذي حضر جزءاً من حلقاته في واشنطن، كان الكاظمي متفائلاً باستمراره في الإمساك بالخيوط التي ستقوده إلى تنفيذ ما عزم على القيام به لكي يكون في إمكانه أن يقود حكومة رشيقة، يمكنها بخفة أن تعالج المشكلات الآنية التي تتعلق بالخدمات. ولأنه كان يظن، ربما، أن الولايات المتحدة ستنجده بفرق عمل اقتصادية، فإن أمله كان كبيراً بأن يعوّض خسارات الاقتصاد العراقي بسبب انخفاض أسعار النفط من خلال إعادة النظر في الإنفاق الحكومي الذي يذهب جزء كبير منه إلى الأحزاب التي تملك دوائر اقتصادية في الوزارت التي تسيطر عليها وتعتبرها جزءاً من ممتلكاتها. كما أنه وضع خطة لمراجعة كل القوانين الخاصة التي صار أعضاء الأحزاب الدينية يقبضون من خلالها رواتب هي ليست من حقهم.

غير أن ذلك كله ذهب أدراج الرياح بعدما بدأت حرب افتعلتها الميليشيات في إطار المطالبة بإنهاء الوجود الأميركي في العراق. ولقد بدا واضحاً أن حكومة الكاظمي كانت عاجزة عن منع الميليشيات من إطلاق صورايخها في اتجاه السفارة أو القواعد الأميركية.

بالتزامن مع التهديد بنقل السفارة الأميركية من بغداد إلى أربيل، بدا الكاظمي كما لو أنه تخلى عن آماله. صار واضحاً أن قوته المستمدة من وهم ارتباطه بالولايات المتحدة لم تكن حقيقية.
لقد أثبت عدد من الميليشيات الصغيرة أن حوارها المتشنّج مع الولايات المتحدة تخطّى الحكومة العراقية وجعلها غير قادرة على أن تضبط ما يجري على الأرض من حولها، إذ لم يكن لها يد في الهدنة التي أعلنتها تلك الميليشيات بغية تجاوز الأزمة.

وهكذا فقدت حكومة الكاظمي مرجعيتها الخارجية من خلال الترحيب الأميركي الضمني بالهدنة، ولم يعد أمامها سوى العودة إلى مرجعيات محلية، لم تكن تملك معها قاعدة مشتركة للتفاهم، تعينها على إنجاز ما كانت عزمت عليه في بداية تشكيلها.

تلك مشكلة سيواجهها الكاظمي كعادته بالصمت. ولكن الصمت لن يكون نافعاً هذه المرة. فالحكومة إذ لا تجد ما تدفعه للميليشيات، فإنها ستكون مضطرة للسكوت في مواجهة ما يمكن أن تقوم به تلك الميليشيات من عمليات ابتزاز للمواطنين.
وما لم تتمكن الحكومة من ضبط حركة الميليشيات في ذلك الاتجاه، فإنها ستواجه وضعاً مربكاً في الشارع أقل ما يوصف به بالفوضى غير المسبوقة. وهي فوضى قد تؤدي إلى انهيار منظومة الحكم في المحافظات التي تعاني أصلاً من ضعف سيطرة الأجهزة الأمنية.

ذلك ما يدفع بمصطفى الكاظمي إلى الإلحاح على مجلس النواب من أجل الحصول على موافقته على مشروع الاقتراض الداخلي. فمن خلاله يتمكن من ترحيل المشكلة إلى ما بعد الانتخابات.
وهكذا يكون رئيس الوزراء الجديد قد مشى على طريق من سبقوه لجهة عزوفه عن مواجهة الأسباب الحقيقية لفشل الدولة وهروبه إلى الأمام.

* نقلا عن "النهار"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.