المقاطعة التجارية والسياسية هل نفعت العرب؟

سالم روضان الموسوي

نشر في: آخر تحديث:

تظهر بين الحين والحين دعوات من المنابر الدينية والسياسية إلى مقاطعة بضائع بعض البلدان نتيجة لمواقفها من قضايا العرب والمسلمين، وآخرها دعوة مقاطعة البضائع الفرنسية نتيجة لمواقف الرئيس الفرنسي ماكرون من الرسوم المسيئة للرسول الأكرم (ص) ،

وهذه ليس المرة الأولى التي تدعى فيها الشعوب العربية على وجه الخصوص إلى المقاطعة، وإنما سبقتها دعوات كثيرة، ويعتبر بعض السياسيين إن المقاطعة التجارية أو الاقتصادية هي حرب بلا سلاح وإنها فعالة ، لأنها تضرب صميم العصب الاقتصادي للبلد المستهدف، وهذا الأمر صحيح جداً إذا توفرت البيئة المناسبة للمقاطعة ، وفي الوطن العربي نجد أنه من الدول التي تعتمد على استيراد معظم سلعها الأساسية ، حتى الزراعية والمنتجات الحيوانية مع انه يملك أكبر مساحة صالحة للزراعة وتربية الحيوان ، فإذ قاطع الشعب البضائع المستوردة ، ما هو الحل لحصوله على البديل ، لأن أغلب بضائعنا المستوردة وخصوصاً الغذاء هي مواد أساسية لا يمكن أن يستغني عنها الفرد وليست بضائع ترفيه، فإذا كان البلد لا يملك صناعة تنتج له البديل عن البضائع المستهدفة بالمقاطعة وليس له إنتاج زراعي وحيواني يغطي الحاجة ويحل محل البضائع المستوردة المستهدفة بالمقاطعة ، من المؤكد إننا سنفشل في تحقيق هدف المقاطع، لأننا إما نخذل الدعوة ونبقى نستورد، أو إننا سنغير جهة الاستيراد من بلد إلى بلد آخر، وفي ظل العولمة فان الشركات أصبحت عابرة للحدود ولديها أساليب للمناورة في تصريف بضائعها والالتفاف على إجراءات المنع أو المقاطعة، لذلك لا تنجح المقاطعة التجارية في أي بلد ما لم يتوفر البديل الوطني من الإنتاج الصناعي والزراعي ، وخصوصاً العرب فأنهم فشلوا في ذلك، إذ لم يتمكنوا من تفعيل هذا السلاح في الحرب الاقتصادية طيلة نزاعهم مع الكيان الصهيوني، أما عن النماذج التي نجحت فإننا أمام نموذجين الأول هندوسي في الهند المتمثل بدعوة غاندي لمقاطعة المنسوجات الانكليزية في ثلاثينيات القرن الماضي، وسبب النجاح كان وجود البديل المحلي، إذ قام بنسج ملابسه بنفسه وامتثل الشعب الهندي له وقام بمقاطعة المنسوجات الانكليزية والاعتماد على الإنتاج المحلي الذي توفر عليه الشعب، مما أدى الى نجاح تلك المقاطعة ، كذلك النموذج الإسلامي الحديث المتمثل بثورة التنباك (التبغ) في إيران عام 1890م ، عندما صدرت الفتوى بتحريم استهلاك مادة التنباك التي حاول الشاه آنذاك حصر تسويقه بشركة بريطانية، مما دعا الشعب إلى مقاطعة الإنتاج لإفشال هذه الصفقة، واعتمدوا على فتاوى رجال الدين، فتوجه العلماء وعلی رأسهم جمال الدين الأفغاني نحو المرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي كان يقيم في سامراء، وأوضحوا له الموضوع ليجدوا حلاً، فأصدر فتواه الشهيرة (بسم الله الرحمن الرحيم: اليوم استعمال التنباك والتتن بأي نحو كان بحكم محاربة إمام الزمان عجل الله فرجه) فالتزم المسلمون في إيران بها وكسروا النارجيلات وكل آلة تستعمل للتدخين، كما أغلقت‌ جميع‌ محلات‌ بيع‌ التبغ‌ والتنباك‌، وسبب النجاح لأنها ليست من ضرورات الحياة ولم تكن سلعة أساسية مما مكّن الأفراد من مقاطعتها، وفعلاً حققت أهدافها بإلغاء تلك الصفقة لاحقاً، أما الآن فإن الدعوة إلى المقاطعة فإنها لا تحقق أهدافها أو أغراضها لعدم وجود البديل المحلي الذي يسد الحاجة واليومية للإفراد من تلك المواد التي هي بمجملها مواد أساسية ، لذلك نحن بحاجة إلى النهوض بالصناعة الوطنية والزراعة المحلية لنحقق الاكتفاء الذاتي الذي يمكننا من الانتفاع بالورقة التجارية في حربنا مع الكيان الصهيوني أو مع أعداء الإسلام، وينصرف هذا الأمر على المقاطعة السياسية فان العراق في آخر انتخابات له قاطعها أكثر من ثمانين بالمائة من أبناء الشعب ممن يحق لهم التصويت، لأنهم غير مقتنعين بمن سيترشح لشغل عضوية مجلس النواب، لكن ماذا حصل هل حققت المقاطعة أهدافها، بلا أدنى شك إنها لم تحقق أهداف المقاطعين، وإنما عززت من وجود غير المرغوب فيهم شعبياً لأن من صوّت لهم هم أتباعهم وأنصارهم الذين يشكلون الأقلية من أبناء الشعب، مما مكنهم من الاستمرار في نهجهم الذي أدى الى انحدار الأوضاع في العراق إلى شفير الهاوية، والسبب يكمن في عدم وجود بدائل واليات انتخابية تمكن المقاطع من معاقبة من يقاطعه، حيث لا يمكن إلغاء النتائج لعدم وجود نسبة تمثل الحد الأدنى للمشاركة الانتخابية ، كذلك لا توجد قوانين انتخابية تمنح المواطن فرصة لتوجيه صوته نحو الشخص الذي يراه مناسباً، وبذلك فان المقاطعة لم تحقق سوى نتائج عكسية وسلبية، مما يدعونا إلى الإصرار على الهدف بتغيير آليات الانتخابات وإيجاد البديل بما يمكّن المواطن من توجيه صوته نحو من يريد أن يمثله، لا أن يوجه أو يجير على خلاف إرادته ورغبته.

* نقلا عن "المدى"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.