أسئلة إقليمية حول سياسة بايدن الشرق أوسطية

علي حمادة

نشر في: آخر تحديث:

مع فوز المرشح الديموقراطي جو بايدن في الإنتخابات الرئاسية الأميركية، وبدء العدّ العكس لخروج الرئيس الحالي دونالد ترامب من المشهد، بدأت عواصم الإقليم في إجراء مراجعة شاملة، ودراسة معمّقة لمرحلة ما بعد ترامب، أي لرئاسة جو بايدن، وآثارها على دول المنطقة.

بالطبع فقد سبق أن قامت جميع العواصم المعنية، والتي تعرف أنّها تتأثر بنتائج الانتخابات الأميركية بدراسة الاحتمالات واستشراف مرحلة بايدن في حال انتخابه، كما أنّ بعض العواصم العربية والإقليمية سبق أن أجرَت اتصالات مع مقربين من المرشح بايدن، على خلفية احتمال فوزه، ولا سيّما أنّ معظم استطلاعات الرأي التي جرت في الأسابيع القليلة الماضية أشّرت إلى فوز بايدن على ترامب. وبالتالي فإن أي عاصمة في المنطقة معنية وتتأثر بالعمق بنتائج الانتخابات الأميركية فتحت قنوات اتصال ببايدن ومحيطه، وفعّلت صداقات قديمة في الحزب الديموقراطي، سواء في الكنونغرس أو في الدولة العميقة في واشنطن، حيث بقي كثيرون من الموظفين يعملون وإن تحت إمرة شخصيات عيّنها ترامب بصفة حزبية للسهر على تنفيذ سياساته.

من هنا لا نستغرب إن اكتشفنا بعد أسابيع قليلة، أنّ عواصم عربية وغير عربية في الإقليم سبق ان فتحت قنوات اتصال جدّية وحقيقية مع حملة بايدن على قاعدة أنّه من المجازفة بمكان الرهان على مرشح واحد أيّا يكن الأمر، ولا سيّما أنّ مؤشرات خسارة ترامب ظلت ترتفع بشكل متواصل منذ الصيف في ظلّ تفاقم أزمة وباء كورونا.

حتّى الآن لا يملك كثيرون كلّ مفاتيح استشراف سياسة إدارة بايدن المقبلة تجاه الشرق الأوسط. والحال فإنّ الشخصيات المرشّحة لتولّي الملف في البيت الأبيض، ووزارة الخارجية وإدارة "وكالة المخابرات المركزية" لم تعيّن بعد. كما أن "المرشّح بايدن" لم يسترسل في الإدلاء بمواقف في السياسة الخارجية كون المعركة كانت داخلية بإمتياز، خصوصاً أنّ وباء كورونا وأداء الرئيس ترامب في مواجهته شكّلا البند الأول في جدول اعمال حملة بايدن.

لكن في المقابل كان هناك موقف ادلى به بايدن يتعلّق برغبته في العودة إلى اتفاق ٥+١ مع ايران حول برنامجها النووي، والذي سبق أن خرجت منه الولايات المتحدة خلال ولاية ترامب. عدا هذا الموقف الحيوي بالنسبة للشرق الأوسط، لم يصدر عن بايدن أيّ موقف يُذكر يمكن البناء عليه لفهم آفاق المرحلة المقبلة. ومع ذلك فمن الواضح أنّه سيكون في برنامج إدارة بايدن فكفكة للكثير من نقاط ارتكاز سياسة ترامب في المنطقة، وإن لم يكن واضحاً بعد ما إذا كانت العودة إلى الاتفاق النووي مع ايران ستخضع لمراجعة بهدف إضافة بنود على جدول الأعمال، كإعادة التفاوض في شأن المهل الزمنية، وفرض التفاوض على إيران في موضوعي سلوكها في المنطقة وتهديدها لحلفاء أميركا، وبرنامج الصواريخ الباليستية الإيراني الذي تعتبره دول المنطقة العربية وإسرائيل تهديداً لأمنها القومي؛ كما أنّه يضع جزءاً من أوروبا عند حدودها الشرقية تحت مرمى صواريخ طهران!

أضف الى ذلك كيفية وضع برنامج مشروط لرفع تدريجي وبطيء للعقوبات، خصوصاً أنّ أي إدارة أميركية تستطيع إن تبني على الإنهيار الإقتصادي الهائل في إيران لكي تحسنّ موقعها التفاوضي.

لذلك فمن السابق لأوانه إجراء تحديد دقيق لما ستكون عليه سياسة بايدن الشرق أوسطية. فهل سيعود الى سياسة الرئيس السابق باراك أوباما الذي ميّز فيها "الإسلام السياسي" بشقّيه السنّي والشيعي، ففتح الباب أمام تمدّد الحالتين، الأولى ونقطة ارتكازها تركيا - أردوغان، والثانية ونقطة ارتكازها إيران - خامنئي؟ وكيف سيتعامل مع المحور العربي الذي اندفع صوب "اتفاق إبراهيم "، وطبّع علاقاته مع إسرائيل في خطوة هائلة برمزيتها ودلالاتها؟ واستطراداً هل يعود بايدن إلى سياسة أوباما المتساهلة والمتواطئة مع إيران على حساب دول الخليج بعدما كسرت الأخيرة حاجزاً نفسياً وسياسياً وتاريخياً من خلال التطبيع مع إسرائيل؟

كلّ هذه الأسئلة لا يزال من المبكر الإجابة عليها، وقد تمضي شهورٌ طويلة قبل أن ترسم الإدارة الأميركية الجديدة سياسة شرق أوسطية وتنطلق فيها. ولكن من المؤكد أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب استطاعت أن ترسّخ وقائع في المنطقة يحتمل أن الإدارة المقبلة ستتعامل معها بروية وعقلانية لا بعقلية فكفكة كل بناه ترامب. وهنا أيضاً الصورة غير واضحة اليوم.

نقلا عن "النهار العربي"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.