الكويت والعراق.. أحزان الأناشيد

عبدالله بشارة

نشر في: آخر تحديث:

أولاً: قرأت مقالاً كتبه السيد الدكتور هشام الديوان، في صحيفة الشاهد في عددها الصادر يوم الجمعة 6 نوفمبر الجاري، يقول فيه «ان عدداً من نواب مجلس الأمة الكويتي التقى بالسيد عدنان خيرالله طلفاح وزير الدفاع العراقي قرب مدينة البصرة، للتحدث معه عن المخاطر التي تتعرض لها الكويت، بعد أن تمكنت إيران من احتلال الفاو في فبراير 1986، وأن الوزير العراقي طمأن النواب بأن الجيش العراقي سيتولى مسؤولية الدفاع عن الكويت، الأمر الذي هدأهم ومنحهم السكينة». أثار هذا الموضوع الكثير من اهتمام من قرأه، وشدني شخصياً لأنني منذ عام 1964، أصبحت قريباً من الاتصالات التي تتم بين البلدين في إطار التواصل الدبلوماسي، فخلال تواجدي كمدير لمكتب وزير الخارجية، المرحوم الشيخ صباح الأحمد الجابر، أعطيت الأولوية لقناة الحوار بين الكويت وبغداد، ورأيت فيها الكثير بين المستفز والقليل من المريح، وأيقنت بأن الذين يتحاور معهم معالي الوزير الشيخ صباح بكل شفافية وحسن نية، لا يملكون القول الفاعل والمؤثر في هذا الحوار المتواصل، فلا السفراء يملكون شيئاً سوى طلب الموعد واختصار محتويات المذكرات، وحتى الوزراء الكبار الذين يعدون ثم يعتذرون ثم يجددون الحماس بالتفاؤل، لم تكن لهم مكانة قريبة من الملف الكويتي لدى صاحب القرار في بغداد. ولهذا استمر التوتر على الحدود معظم الأحيان، كان المخزون العراقي من المفردات في عهد عبدالسلام عارف أسهل هضماً وأنعش أملاً وأطرب نغماً، ومع أخيه عبدالرحمن عارف كان ضعف النظام هدفاً لأصحاب المدفعية الجالسين على ضفة المراقبة، يطلقون على الرئيس عبدالرحمن عارف وعلى رئيس وزرائه طاهر يحيى، ما يملكون من تخوينات وتهديدات، فيدب الضعف ويرتبك الرئيس ويتحرج رئيس الوزراء. أتذكر زيارة الشيخ صباح السالم أمير الكويت إلى بغداد خلال رئاسة عبدالرحمن عارف، حيث شاهدت للمرة الأولى الزعيم أحمد حسن البكر، والفريق صالح مهدي عماش، وحردان التكريتي، على وليمة العشاء التي دعا لها الرئيس عبدالرحمن عارف على شرف أمير الكويت، وكانت المؤامرات ضد الرئيس تدبر من هؤلاء الجالسين على طاولة رئيس الجمهورية، صاحب الدعوة، وفي ضيافته. ولم يكن رئيس الجمهورية كاذباً عندما تحدث في المباحثات عن مخاطر حزب البعث على نظامه وخوفه من قرارات تزيد من شهيتهم للحكم. المهم أن نعرف أسماء هؤلاء النواب الذين ذهبوا للحديث عن مخاطر إيران لكي نسألهم عن اللقاء، ومن المصدر الذي علم بهذا الموضوع؟ وأين حكومة الكويت من هذه الواقعة؟ عندما احتلت إيران منطقة الفاو، عقد المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون اجتماعاً استثنائياً في الرياض، كان المرحوم الشيخ صباح الأحمد، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، المبادر لعقد الاجتماع، يتحدث إلى الوزراء عن آخر الاتصالات بين الكويت وحكومة العراق، وأتذكر بأنه أخبر المجلس بأن الرئيس العراقي صدام حسين اتصل بالمرحوم الشيخ جابر الأحمد أميرالكويت، وأكد له استعداد العراق لإرسال الحرس الجمهوري للدفاع عن الكويت، وكان رد الكويت تثمين المبادرة وتقدير دوافعها وطمأنة رئيس العراق بمتانة الوضع. كانت الاتصالات الكويتية - الأميركية آنذاك جاهزة لأي طارئ، حيث كانت السفن الكويتية تسير بحماية الأسطول الأميركي، محافظاً على سلامة هذه البواخر، مع تنسيق أميركي - خليجي حول كل الاحتمالات. مرت الكويت بتجارب مختلفة مع أنظمة العراق، منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1963، ولم يعمل أي منها لتأمين ثقة الكويت بالنظام الحاكم في العراق، ولم تطمئن الكويت للآليات الدبلوماسية التي كان العراق السابق يوظفها، فإذا كان الرئيسان عبدالسلام عارف وعبدالرحمن عارف لم يرتفعا الى مستوى رجال الدولة، فإن النظام الذي لحق بهما متمثلاً في عهد البكر أو صدام حسين، استعان بالخداع والتسويف، وعندما لم يتحقق شيء مثمر من هذا الأسلوب، جاء صدام حسين بأسلوب البلطجة الذي يجيده وأوصله إلى قيادة العراق، فكانت التهديدات تغلفها رطوبة الكلمات، ترافقها ترسانة لا تنتهي من مفردات أخوة الضرورة العربية التي يتوقعها العراق من الكويت في تسخير أراضيه، يتوسع منها ليطوق الهجوم الإيراني، وتنفيذاً لبرنامج الزحف اللين، الذي يتحول إلى واقع تضمه الخطوط الجديدة لخريطة العراق، وربما كادت هذه الأرض أن تختفي مع الغزو، لكن قرارات مجلس الأمن أعادتها إلى الكويت، رغم ألاعيب السلطة العراقية التي ادعت ملكيتها. بعد سقوط نظام صدام، أرسلت القوات الأميركية شحنات من الوثائق العراقية إلى الولايات المتحدة وتوزعت الوثائق في مختلف الجامعات، وأنا شخصياً واحد من الذين يتابعون ما قد يرفع عنه الستار من وثائق تلقي المزيد من الأضواء على سلوكيات ذلك النظام المتوحش.

*نقلا عن "القبس"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.