الإسلاميون والديمقراطية.. التوليفة المستحيلة

مختار الدبابي

نشر في: آخر تحديث:

يعيش الإسلاميون في تونس على وقع صراع داخلي ساخن بشأن من الأولى بالقيادة، وهل أن راشد الغنوشي من حقه أن يستمر مدى الحياة في قيادة حركة قالت لسنوات إنها ديمقراطية وإن لديها مؤسسات داخلية وقوانين، أم أن عليه أن يترك المكان لآخرين، ممن بات هدفهم الرئيسي في الظهور الإعلامي هو نقاش فصل من قانون داخلي يقول إن الغنوشي انتهت ولايته وعليه التنحي، في وقت تعيش فيه البلاد أوضاعا اقتصادية واجتماعية صعبة كان لحركة النهضة دور مباشر فيها كونها شريكا حكوميا منتخبا منذ عام 2011.

لأول مرة يعجز الإسلاميون عن اللجوء إلى نظرية المؤامرة لتبرير أزمة مفصلية يمرون بها، كما أنهم لا يقدرون على ترويج خطاب المظلومية لأنصارهم، وهو الخطاب الذي برّر الكثير من الأخطاء القاتلة التي حصلت؛ مثل مسؤولية قرار مواجهة الدولة في 1990 تحت مسوغ “العصيان المدني” و”تحرير المبادرة”، وهو القرار الذي أفضى إلى اعتقال الآلاف من هؤلاء الأنصار قبل أن تفرّ القيادة إلى الخارج وتعيش في بحبوحة من العيش ثم تعود بعد ثورة 2011 وكأن شيئا لم يكن.

وإذا كانت الديمقراطية الهشة في تونس قد أوصلتهم إلى الحكم، فإنها أيضا كشفت أنهم ليسوا ملائكة وليسوا متكلمين باسم الله، كما يقدمهم خطاب المظلومية، أو أنهم يحملون حلولا سحرية لإنقاذ الناس. لقد سحبتهم الديمقراطية إلى ملعب الحقيقة، لتختفي شعارات الإخاء والإيثار ويسيطر الصراع على السلطة.

المواجهة الأمنية منذ جمال عبدالناصر خدمت الإخوان، لكن الديمقراطية نجحت في أن تحوّلهم إلى مجموعات بلا برامج وسحبت منهم الفكرة السحرية بأن “الإسلام هو الحل” واضطروا إلى التراجع عن ذلك الشعار الهلامي استرضاء لـ”إكراهات الواقع”. وهو في الحقيقة مسار براغماتي هدفه الرئيسي الوصول إلى السلطة، فيما تتنوع الوسائل بين الضغط عن طريق رفع ورقة تطبيق الشريعة، أو التنازل إلى الآخر تحت مسوغ أن الحركة “مدنية” و”ديمقراطية”، ولا تهدف إلى تطبيق الإسلام بقدر ما تهدف إلى تجذير تجربة الانتقال الديمقراطي في البلاد.

منذ أيام استقال لطفي زيتون، الوزير والمستشار السياسي السابق لراشد الغنوشي ليقول إن حركة النهضة لا تزال حركة دينية، في إشارة إلى الخطاب الذي يتم ترويجه في مسار معركة خلافة الغنوشي، فخصومه وأنصاره كلاهما يلجأ إلى الخطاب الإخواني القديم ذي المسحة العقائدية المخدرة للأنصار من أجل تبرير بقاء “الزعيم” أو “القيادة التاريخية”، أو شيطنة الخصوم واعتبار الاختلاف خروجا عن وحدة الصف وتغذية للفتنة، و”الفتنة أشد من القتل”.

وبعد زيتون عاد القيادي التاريخي الصادق شورو، وهو من قاد المواجهة مع النظام السابق في 1989 بصفته “أميرا” ليظهر أن الخطاب الديني في آلية الفرز داخل حركة النهضة لا يزال هو المفتاح في الشيطنة أو التنزيه، حين هاجم شورو بحدة تصريحات للغنوشي قال فيها إن الاحتجاجات التي رافقت قضية الرسوم المسيئة للرسول محمد مجرد “أحداث عابرة وهامشية”، وذلك في لقاء له مع سفير فرنسا.

واعتبر شورو في بيان له أن تصريحات الغنوشي من “المسقطات” التي تُسقطه عن منصبه كرئيس لمجلس النواب، لأنه “تجاوز البند الأول من الدستور الذي ينص على أن تونس دولة دينها الإسلام، كما تُسقطه عن منصبه كرئيس لحزب حركة النهضة التي قد نص قانونها الأساسي على أن النهضة هي حزب سياسي ذو مرجعية إسلامية.

ويحمل هذا التصريح، الذي يصدر عن شخصية ذات ثقل اعتباري داخل الحزب ذي المرجعية الإخوانية في تكوينه، تهديدا برفع صفة “الإسلامية” عن الغنوشي، وهي الصفة التي أهّلته ليصبح في رئاسة حركة النهضة ورئاسة البرلمان وبناء علاقات خارجية قوية شرقا وغربا. ورغم أن الإشارة قد لا تبلغ مرحلة التكفير، لكنها تهدف إلى نزع الشرعية الدينية عن “حكم” الغنوشي، وبالتالي ستصبح ورقة قوية بيد الغاضبين من جماعة عريضة المئة قيادي الذين يطالبون بمنع رئيس الحركة من التمديد ويعارضون أي “فتوى” قانونية للتجديد له.

والصادق شورو عرف بعد الثورة بمواقف متصلبة تدافع عن “تطبيق الشريعة” وعرض خلال إحدى جلسات المجلس التأسيسي تطبيق آية الحرابة لمواجهة ظاهرة الاعتصامات التي تكاثرت خلال حكم الترويكا بعضها بمطالب اجتماعية وبعضها ضمن سياق التصعيد السياسي ضد حكم الإسلاميين.

ولجأ الغنوشي إلى دفع شورو وبعض القيادات الراديكالية الأخرى، التي عجزت عن التلاؤم مع السمار البراغماتي المدني مثل الحبيب اللوز، إلى الواجهة الخلفية للاهتمام بالشؤون الدعوية وإنشاء جمعية “الدعوة والإصلاح” لتكون خزانا احتياطيا استراتيجيا للحركة في المجال الديني وتجمع عددا كبيرا من أئمة المساجد والخطباء ومدرسي معاهد جامعة الزيتونة، في سياق ما بات يعرف بالفصل بين الدعوي والسياسي والذي يراد تسويقه على أنه فصل بين الديني والسياسي، فيما هو فصل تكتيكي لرفع الحرج السياسي وتسهيل حرية الاستقطاب الدعوي الحزبي في أهم القطاعات قدرة على الاستقطاب وجذب الأنصار، وتبديد المخاوف من تخلي الحركة عن هويتها “الإسلامية”.

وإلى حد الآن، لا يزال الصراع بين الشقين المتخاصمين في النهضة يسيطر عليه الوجه السياسي، لكن مؤشرات كثيرة تقول إنه قد ينتهي إلى خصومات دائمة يستعمل فيها الجانب الديني لتبرير الانسحابات والاستقالات والمزايدة على الخصوم بالمبدئية، التي تعني العودة إلى الجبة الأولى جبة الإخوان المسلمين وخطاب درء الفتنة و”العودة إلى الله” و”تطبيق شرعه”.

وتقول تسريبات من محيط حركة النهضة إنها أصدرت تعميما هدّدت فيه منع كل من “ينشر الغسيل في الإعلام” من المشاركة في المؤتمر القادم للحركة، وهو المؤتمر الذي يفترض أن يخرج بنتائج تقوي أحد الفريقين المتخاصمين على الآخر.

وفيما تقول المؤشرات إن الغنوشي سيخرج المنتصر من هذا المؤتمر بسبب نفوذ متعدد الوجوه داخل الحركة، بعضه يتعلق بميراث السمع والطاعة داخل “الجماعة الإسلامية”، وهي التسمية الأولى للحركة، وبعضه الآخر يتعلق بورقة الرواتب التي حصل عليها مئات المتفرغين من القيادات، فضلا عن امتلاكه ورقة ضبط ممثلي النهضة ضمن حصتها في التحالف الحكومي، وهي حصة تسمح لها بوظائف متنوعة داخل الحكومة وفي مختلف مؤسسات الدولة.

لقد أظهر الصراع حول قضية التمديد للغنوشي أن الحركة لم تنجح في اختبار الديمقراطية داخلها بالرغم من أن مناخ الحرية، الذي كانت تبرّر به بقاء الرجل الأول لعقود على رأسها، أصبح مواتيا كي تخرج من هوية الجماعة التي تقدس القيادة إلى فضاء الحزب الذي يجعل الانتخاب أداة وحيدة لتصعيد هذا الشخص أو ذاك، كما يقطع الطريق على “الحكم مدى الحياة” باسم إكراهات الواقع.

لكن النتائج إلى الآن تقول إن الإسلاميين والديمقراطية توليفة مستحيلة لأنهم ينظرون إليها كسلّم للصعود فيما هي رؤية تعيدهم إلى الأرض وتسحب منهم آليات تقديس “الزعيم الملهم” وتحوله إلى بشر يمكن أن يتنحّى ويأتي غيره ليواصل المسيرة.

*نقلا عن "العرب"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.