طهران ماضية في تصفية معارضيها دون ردع

د.عبد الله المدني

نشر في: آخر تحديث:

في مطلع نوفمبر الجاري أقدمت طهران على ارتكاب عمل جبان يضاف إلى قائمة جرائمها الكثيرة بحق معارضيها، وذلك بالتعاون والتواطؤ مع نظامي أردوغان التركي، والحمدين القطري. ففي الثاني من نوفمبر تعاونت السلطات التركية مع الحرس الثوري الإيراني الإرهابي على استدراج حبيب فرج الله كعب، الشهير بحبيب أسيود الرئيس السابق لحركة النضال العربي لتحرير الأحواز المقيم في السويد إلى أنقرة، واعتقاله ونقله إلى الدوحة، حيث تم تسليمه هناك إلى الاستخبارات الإيرانية. وقد قيل وقتذاك: إن ما قامت به أنقرة كان في إطار صفقة تبادل وتسليم لقياديين في حزب العمال الكردستاني الذي تشن عليه تركيا هجماتها في كردستان العراق.
هذه الحادثة تكشف بجلاء ما يربط الأنظمة الثلاثة من مصالح عدوانية مشتركة، كما أنها تعيد إلى الأذهان سلسلة من الأعمال القذرة التي نفذها النظام الإيراني الفاجر ضد معارضيه، سواء كانوا من القومية الفارسية أو القوميات الأخرى المكتوية بجبروت نظام الملالي العنصري. ومن جهة أخرى تذكرنا هذه الواقعة بحادثة تصفية الناشط السياسي الكردي عبدالرحمن قاسملو في فيينا عام 1989، وحوادث تصفيات عديدة كان مسرحها الرئيس أوروبا تحديدا، وأداتها قيادات من الحرس الثوري الإرهابي بمساعدة فنية ولوجستية من أنصاره ووكلائه في الخارج وعلى رأسهم "حزب الله" اللبناني الإرهابي.
وإذا ما تفحصنا تلك القائمة من التصفيات وما في حكمها من أعمال قذرة، نجد أنها - إضافة إلى الأحوازي أسيود والكردي قاسملو - أقدمت على اغتيال كاظم رجوي (جنيف 1990)، وشاهبور بختيار آخر رؤساء حكومات الشاه (باريس 1991)، والشاعر فريدون فرخزاد (بون 1992) والناشط صادق شرفكندي (برلين 1992) والسياسيين داريوش وبروانة فروهر (ألمانيا 1998)، واختطاف الإعلامي روح الله زام من العراق عام 2019. كما شملت قائمة العمليات الإجرامية تفجير المقاهي والفنادق واختطاف الطائرات (حادثي اختطاف طائرة TWA وطائرة الجابرية مثالا)، وصولا إلى قيام النظام الإيراني القلق بشراء خدمات عصابات المخدرات المكسيكية لإسكات أصوات مسؤولي الدول الأجنبية من أولئك الذين عروا سياساته الإرهابية، على نحو ما حدث في محاولة اغتيال عادل الجبير السفير السعودي الأسبق في واشنطن عام 2011.
يقولون: "من أمن العقوبة أساء الأدب"، وهذا ينطبق بحذافيره على النظام الإيراني، لأن المجتمع الدولي والدول الكبرى تركته طويلا يواصل جرائمه دون عقوبة رادعة، فاعتقد أنه في حل من الالتزام بالسلوك السوي، والأسوأ أنها كافأته على حماقاته وإرهابه على نحو ما فعله باراك أوباما الرئيس الأمريكي الأسبق، عندما وقع معه الصفقة النووية الشهيرة وأفرج عن أمواله المجمدة في الولايات المتحدة، فضلا عن موافقة الروس على تدخله في سورية.
كتبنا في مقال سابق أن كثيرين يعتقدون أن انهيار النظام الإيراني بات وشيكا، وأن رأس الحربة في إسقاطه هي المعارضة الإيرانية بقيادة مريم رجوي، فيما يراهن آخرون على عرب الأحواز الناقمين على نظام طهران، بسبب التمييز ضدهم وطمس هويتهم العربية وتغيير تركيبة مناطقهم بصورة ممنهجة، فضلا عن استغلال ثرواتهم البترولية في الحماقات الخارجية، ولعل هذا ما أثار هلع طهران ودفعها إلى اختطاف الناشط حبيب أسيود. وفي اعتقادنا أن أي تعاون وتنسيق ما بين الأحوازيين والأكراد، معطوفا على العقوبات الأمريكية القاسية ضد النظام الإيراني سيغير المشهد السياسي في إيران عاجلا أو آجلا، حيث تتخلص المنطقة من المصائب التي جلبها معه الخميني وأتباعه منذ استلامهم السلطة عام 1979.
ونشدد هنا على العامل الكردي لأسباب كثيرة. فإضافة إلى عوامل التمييز والقمع التي يعانيها كل مكونات البلاد من غير العرق الفارسي من عرب وبلوش وآذاريين وتركمان، يمتلك أكراد إيران وحدهم شبكة كبيرة من التواصل لم تنقطع قط مع إخوتهم في القومية المنتشرين في العراق وسورية وتركيا. ومع ظهور شبه دولة كردية في شمال العراق بمؤسسات إدارية واقتصادية وأمنية وعسكرية مستقلة عن بغداد، ومع امتلاك كردستان العراق جيشا مزودا بأحدث الأسلحة الغربية ومقاتلين من ذوي الخبرة لمنازلة الجيوش النظامية، فبالإمكان تسخير كل هذا لمصلحة أكراد إيران المستضعفين، خصوصا أن كردستان إيران تملك حدودا طويلة مباشرة مع كردستان العراق. وبعض هذه العوامل لا يتوافر بطبيعة الحال، للقوميات الإيرانية الأخرى. أضف إلى ما سبق فإن أكراد العراق لديهم سوابق في إقامة دولتهم المستقلة التي يتوقون إلى إحيائها. والإشارة هنا هي أولا إلى جمهورية آزاد ستان (جمهورية الحرية) التي أسسها الزعيم الكردي سمكو في العشرينيات، ولم تعش إلا عدة أشهر، قبل أن يستدرج الإيرانيون سمكو إلى مدينة شنو للتفاوض ويقتلوه بأسلوب المكر والخديعة. والإشارة ثانيا إلى "جمهورية مهاباد الكردية التي أسست عام 1946 في شمال غرب إيران، وكانت لها قوات خاصة من البيشمركة مدعومة من الاتحاد السوفياتي السابق الذي توغلت قواته حينذاك في الأراضي الإيرانية تحت ذريعة أن الشاه رضا بهلوي كان مواليا في الحرب العالمية الثانية للنازية. والقارئ للتاريخ الحديث سيكتشف أن هذه الدولة الأخيرة، التي دامت 11 شهرا، ما كانت لتنهار بقتل نحو 15 ألفا من مؤيديها على يد القوات الإيرانية واعتقال رئيسها قاضي محمد، ثم إعدامه مع أقربائه وأتباعه في الساحة التي أعلن منها الاستقلال، لولا تدخلات وضغوط واشنطن من جهة، وتحالف بعض الأكراد المتنفذين مثل إمام عزيز آغا وبايزيد آغا مع النظام الشاهنشاهي بغية تحقيق مصالح آنية ضيقة من جهة أخرى. وقد تكرر شيء من هذا القبيل قبيل قيام ما يسمى الثورة الإسلامية الخمينية حينما وضع اليسار الكردستاني ممثلا في حركة "كومل" المنشقة عن الحزب الديمقراطي الكردستاني يده مع بقية الأحزاب الإيرانية اليسارية للانقلاب على الشاه والإتيان بنظام الخميني تعويلا على أن الأخير سيحقق لهم تطلعاتهم في الحكم الذاتي مثلما أوهم كل القوميات الإيرانية غير الفارسية في حينه. وكانت النتيجة مزيدا من القمع والقتل والتشريد والحرمان من أدنى الحقوق السياسية والثقافية، بل منع الرموز الكردية من المشاركة في صياغة دستور البلاد الجديد. وفوق ذلك استخدمت إيران الخمينية أكرادها وقودا في حربها الطويلة مع العراق، فخسر الأكراد الآلاف المؤلفة من أبنائهم في تلك الحرب المجنونة دون أن ينالوا في المقابل شيئا يذكر من طموحاتهم المشروعة، بل تآمرت طهران بعيد انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية، فاستخدمت يدها الآثمة في اغتيال قاسلمو، الذي كان يمثل لأكراد إيران رمزا كبيرا من رموزهم المثقفة والمحترمة مع اثنين من رفاقه حينما أمطرتهم بوابل من الرصاص وهم جالسون على طاولة المفاوضات في فيينا. الأمر الذي أحدث صدمة في العالم الحر بأسره، وأثبت بالتالي أن نظام الخميني نظام غدار لا يؤمن جانبه ولا يؤخذ بوعوده وتعهداته. وقد قيل: إن نظام الخميني كان يشعر دائما بخطورة قاسملو، لأن فكرة إحياء جمهورية مهاباد كانت مستقرة في ضميره دوما، خصوصا أنه قام بمحاولة من أجل هذا الهدف عام 1978 حينما قاد نحو 20 ألفا من قوات البيشمركة، تمكن بها من السيطرة على ثماني مدن و20 بلدة كردية إيرانية. وهكذا نرى أن أكراد إيران لديهم ثارات مع النظام الإيراني الحالي أكثر مما لدى بقية مكونات الدولة الإيرانية، وبالتالي فهم أكثر استعدادا وتوقا للانتقام منه. بل أكثر جاهزية من غيرهم للتصدي له وفق المعطيات التي ذكرناها، بدليل أنه لا تمر ذكرى سنوية لاغتيال قاسملو إلا وتعم مظاهرات الاحتجاج وأعمال التصدي لقوات الحرس الثوري الإيراني وقوات الباسيج مختلف مدن كردستان إيران. غير أن أي نجاح لأكراد إيران والأحوازيين لجهة إسقاط نظام خامنئي مشروط بتوافر دعمين إقليمي ودولي أولا، وتنسيق ودعم من قبل القوميات الساخطة الأخرى غير الفارسية ثانيا.

*نقلا عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.