تحوير ومغالطة ومكابرة وافتراء

علي العميم

نشر في: آخر تحديث:

كنتُ وعدت بأنَّني سأقدّم بعضَ المعلومات عن أثر كتاب محمد أسد: «الإسلام على مفترق الطرق»، وتأثيره على الإسلاميين الأصوليين، لكنَّني الآن مضطر أن أرجئَ هذا الحديث إلى أن أفرغَ من ردي على رد الدكتور حمزة بن قبلان المزيني حول مناقشتي النقدية لمقاله: «هل قالها غلادستون؟!»، الذي عنونه بـ«دراما العميم».
أسفتُ بالغ الأسف أن يجنح الأستاذ العزيز الدكتور حمزة في رده إلى التحوير والمغالطة والمكابرة والافتراء. وموجب هذا الأسف البالغ أنَّ ردَّه كان على هذا النحو الشائن والمشين، فخدش بذلك مهابتَه الأكاديمية، وثلم موثوقيتَه العلمية، وجرح مصداقيتَه. فليته (تقديراً لشخصه وحفظاً لمكانته العلمية) لم يكتب ردَّه الذي (على غير ما عوّدنا عضله العلمي منذ عقود) ليس فيه أي جملة صحيحة في مضمونها الانتقادي، ولا أي جملة محقَّة في مضمونها الاعتراضي.
في بداية ردّه استعرض قولي: «وكان من غير اللائق... أن أقفزَ على مقالات الدكتور حمزة الممتازة التي كان فيها هو الأكاديمي الوحيد في العالم العربي وفي العالم الإسلامي الذي تصدَّى لتمحيص صحة ما نسب إلى غلادستون في هذين العالمين. وهي مقالات لا غنية عن الرجوع إليها للاستفادة منها». ثم علَّق متندّراً (والدكتور حمزة أكاديمي فيه ظرف)، بقوله: «وقد بادر الأستاذ العميم في الحلقة الثانية ليسترد ذلك المديح!! إذ قال إنه لا يصدّق بتلك المقولة في هذين العالمين سوى جمهور الخطاب الإسلامي! ويعني هذا عدم أهمية ما كتبته عنها!».
ليس بين قولي الذي استعرضه وقولي الذي تندَّر به أي تضارب. وهو يعلم هذا حقَّ العلم. وذلك لأنَّ كلَّ أعماله (هذا إذا ما نحَّينا أعماله في الترجمة جانباً) منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي قائمة على المراجعة النقدية. وهو (بالمناسبة) من قلة قليلة من الأكاديميين السعوديين الذين استفدت من قراءة مراجعاتهم النقدية في ذلك العقد، وفي العقد الذي تلاه.
إنَّ من تقاليد المراجعة النقدية أنَّ قبضك على ملحوظات جسيمة في مقال أو دراسة أو كتاب، لا تمنع من إبراز المحاسن أو المزايا إن توفرت في مفتتح قراءتك النقدية.
وقولي الذي استعرضه يثني على سبقه في العالمين، العربي والإسلامي، وانفراده في تمحيص صحة المقولة المنسوبة لغلادستون، ويثني على الخط العام في مقالاته الأربعة التي ناقش فيها صحة المقولة المنسوبة لهذا السياسي الاستعماري البريطاني الشهير والكبير. هذا مع التذكير بأني حصرت عرضي ونقدي في مقاله الأول، ولم أتعرض لبقية مقالاته، لا بعرض ولا بنقد.
وغير صحيح أني في المقال الثاني (كما عبّر) بادرت فاسترددت ذلك المديح، إذ إنني في المقال الأول، وبعد أن أثنيت على سبقه وعلى انفراده وعلى الخط العام في مقالاته المذكورة، قلت (مباشرةً): «ومع هذا التثمين لتلك المقالات الممتازة، فإنني أرى أنَّه لم يكن موفقاً في تتبّعه لورود العبارة المنسوبة لغلادستون عند الإسلاميين العرب. وأرى أنه لا يعرف شيئاً عن سياقها إلخ...».
إنَّنا لسنا (كما ترون بأم أعينكم) أمام رواية ناقصة أو مشوشة، بل أمام رواية مدلّسة. وهذا هو أول الأسف على رده.
أما الأمر الثاني، فهو أمر اجتمع فيه التحوير والمغالطة، إذ بتر قولي: «إن الجملة المنسوبة لغلادستون لا يصدّق بها في هذين العالمين (العالم العربي والعالم الإسلامي) سوى جمهور الخطاب الإسلامي»، الذي جاء في موضع تعليل، عن سياقه المعلوماتي والنقدي. وذلك من أجل الحصول على استنتاج مغلوط ومعتسف، وهو أنَّ قولي السالف معناه إلغاء أهمية ما كتبه من مقالات عن المقولة المنسوبة لغلادستون! لإثبات أني متناقض؛ فأنا مدحتُ مقالاته ومدحته في مقالي «حمزة المزيني وهجومه الضاري على عمر فروخ»، واسترددت هذا المديح في مقالي الثاني، وهو مقال «لو أن حمزة المزيني تمعَّن قليلاً فيما قرأ»!
سأوضح للقارئ السياق المعلوماتي والنقدي الذي ورد فيه قولي السالف.
إنَّني أخذت على الدكتور حمزة أنه اعتمد على طبعة 1982 لكتاب محمد أسد: «الإسلام على مفترق الطرق»، المنشور باللغة الإنجليزية، ليتأكد (كما قال) من وجود المقولة أو العبارة المنسوبة لغلادستون فيه، بعد أن وجدها ضمن كلام محصور بين معقوفتين في ترجمة عمر فروخ لهذا الكتاب إلى العربية. أخذت عليه الاعتماد على هذه الطبعة، لأنها (كما قلت) طبعة مضللة؛ فمحمد أسد قد نقحها وشذبها وهذبها. وهي معلومة هو وكثيرون يجهلونها.
ولكي يستوثق من صحة ما قلته، سقتُ له مثالاً ساطعاً. وهو أنَّ محمد أسد في ذلك الكتاب قبل تلك الطبعة ذهب إلى أنَّ تسمية النبي محمد في أوروبا منذ القرون الوسطى بـ«ماهوند» لا بـ«ماهومد» هو من أجل أن يتسنَّى لهم نبزهم له، بقولهم: كلبي.
وعلقت بالقول: «إنَّ تلك المعلومة التي حذفها من طبعة 1982 هي في التشويش الذي أحدثته في العالم العربي وفي العالم الإسلامي أخطر من الجملة المنسوبة لغلادستون، لأنَّ الجملة المنسوبة لغلادستون لا يصدّق بها في هذين العالمين سوى جمهور الخطاب الإسلامي، في حين أنَّ تلك المعلومة أخذ بصحتها هؤلاء وأناس يصدرون في فكرهم وتفكيرهم عن فكر وتفكير علماني».
فقولي السالف أتى ضمن هذا السياق وضمن هذه المقارنة المعلَّلة. أما مضمونه (وهو مضمون وصفي صحيح)؛ بأنه لا يصدّق بالجملة المنسوبة لغلادستون في العالمين، العربي والإسلامي، سوى جمهور الخطاب الإسلامي، فلا يعني قطعاً التقليل من أهمية ما كتبه الدكتور حمزة حول تلك الجملة.
إنَّ الذي هو مطّلع على كتاباتي لو جاراه في استنتاجه المغلوط والمعتسف، فسيستنتج أيضاً أنني أقلل من بعض ما كتبتُه أنا، لأنَّ بعض ما كتبته دار حول تمحيص أقوال هي شائعة (فقط) عند الكتبة الإسلاميين وعند جمهور الخطاب الإسلامي!
يقول الدكتور حمزة: «وقد زعم الأستاذ العميم، لكي يقلل من أهمية ما كتبته، أنّي لا أعرف سياق العبارة المنسوبة لغلادستون عند الإسلاميين الأتراك والإسلاميين الهنود. وهو يعلم أنّي أشرت، في تلك المقالات التي قرأها وامتدحها، إلى ورودها عند بعض الكتاب البريطانيين المسلمين من أصول هندية، وأشرت إلى بعض الكتاب الهنود البريطانيين الذين لم يُذكَر أنهم تكلموا عنها...».
الأستاذ العزيز (غفر الله لك وأبتهل إليه أن يسامحك):
مهلاً، مهلاً، مهلاً... ما هذه الفرية السافرة؟! أنت قلت ما نصُّه: «كما ترد بصيغتها الإنجليزية في كتابات بعض المسلمين بالإنجليزية، لتأكيد عداء الغرب تاريخياً للمسلمين». وفي مقالي الأول أوردت قولك هذا، ولم أغفل ولم أتغافل عن إيراده.
أدعو القراء إلى أن ينظروا في نص ما قاله نظراً ملياً، ثم يجيبونني بعد ذلك عن أسئلتي هذه: هل فيه ذكر لـ«أصول هندية»؟! وهل ذكر فيه «كُتّاباً هنوداً بريطانيين»؟! وهل فيه ذكر لـ«بريطانيين» أو حتى لبريطانيا؟!
إنَّك يا دكتور حتى لو أنَّك كنتَ كتبت ما افتريت أنك قد كتبته في مقالك الأول، فهذا لن يزعزع ثقتي بأنك لم تكن تعرف شيئاً عن سياق العبارة عند الإسلاميين الأتراك وعند الإسلاميين الهنود، لأنَّ حكمي هذا كان مبنياً على تتبعك لورود العبارة المنسوبة لغلادستون في كتابات الإسلاميين في ذلك المقال.
وسأشرح لك الآن كيف أصدرت حكمي اليقيني هذا.
في تتبعك الزمني لورود العبارة في كتابات الإسلاميين لم تذكر شيئاً عن سياقها عند الإسلاميين الهنود وعند الإسلاميين الأتراك. وقولك: «كما ترد بصيغتها الإنجليزية في كتابات (بعض المسلمين) بالإنجليزية، لتأكيد عداء الغرب تاريخياً للمسلمين» لم يأتِ في نطاق ذلك التتبع، وإنما أتى خاتمة لمعلومة عن ورودها بصيغتها الإنجليزية، وهي التي قلت فيها وعنها: «ينبغي أن أشير أولاً إلى أن هذه العبارة لا ترد بصيغتها الإنجليزية، إلا في مصادر الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب التي تستشهد بها على بعد نظر غلادستون لشعوره بخطر المسلمين على أوروبا، وهو (كما يؤكدون) ما صدقته الوقائع المعاصرة. ومن أشهر تلك الحركات (الحزب الوطني البريطاني the British national party)، والمنظمة الأميركية المتطرفة المعروفة بـ(رصد الجهاد Jihad watch)».
وقولك ذاك الذي كان بمثابة خاتمة لمعلومة، لم يوهمني أنك تعرف شيئاً عن سياقها عند الإسلاميين الهنود وعند الإسلاميين الأتراك، ففضلاً عن أنَّه إشارة مبهمة إلى مسلمين (أو بتعبير أدق) إلى إسلاميين يكتبون باللغة الإنجليزية، فإنَّ كتاباتهم هذه لا تدخل في نطاق التتبُّع الزمني أو التاريخي لورود العبارة في كتابات الإسلاميين، سواء أكان هؤلاء هنوداً أم غير هنود، لأنَّ إيراد العبارة في كتاباتهم جاء في وقت متأخر من سريان العبارة عند جمهور الخطاب الإسلامي، خاصتهم وعامتهم، في العالمين العربي والإسلامي. لكنها تفيد في غرض آخر مختلف، لم تتنبّه له وأنت تشير إلى كتاباتهم. هذا الغرض يتعلَّق بالمعلومة التي زودتنا بها. وهي أن العبارة بصيغتها الإنجليزية لا ترد إلا في مصادر الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة في الغرب؛ فهؤلاء اليمينيون الغربيون المتطرفون قرأوا العبارة المنسوبة لغلادستون وتعرفوا إليها بواسطة كتابات بعض المسلمين بالإنجليزية، الذين هم إسلاميون.
وليلحظ القارئ أنَّك أتيت بالمعلومة الخاتمة بطريقة ذيلية (أو بالأحرى) هامشية، ولم تستفد منها كما يجب.
الطريف أنَّ تلك الحركات والأحزاب اليمينية التي أشار الدكتور حمزة إليها، سبقت السيد جاري بتلر، الأمين المساعد لمكتبة غلادستون في بريطانيا، في معرفة العبارة المنسوبة لغلادستون بزمن. وهذه المعلومة عرفت بها من مقالك الثاني: «لم يقلها غلادستون»؛ فأنت في هذا المقال قلت إنك كتبت رسالة إلكترونية إليه طالباً منه البحث عن المصدر الأصلي الذي نسب العبارة إلى غلادستون. وكان ممَّا أجابك فيه، هو قوله: «وقد تسلمنا مؤخراً عدداً من التساؤلات المتعلقة باستخدام هذه العبارة، نتيجة لورودها في برنامج بثته هيئة الإذاعة البريطانية».
والمستفاد من إفادته هذه لك أنَّ عموم مستمعي هذه الإذاعة من البريطانيين قد سبقوه بسماعها بوقت قصير، وأنَّه وزملاءه عرفوا بها من خلال سؤال هؤلاء مكتبة غلادستون عن صحة نسبتها إلى غلادستون! وللحديث بقية.

نقلاً عن "الشرق الأوسط"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.