لبنان بين فرنسا «المنقذة» وتسلّط «حزب الله»

عبدالوهاب بدرخان

نشر في: آخر تحديث:

لا تزال الأزمة الشاملة في لبنان تُظهر أسوأ ما لديها وتعد بالمزيد. طوال عام ونيّف حذّر الجميع، حُكماً وحكومةً ومجتمعاً، من «الانهيار» جراء إفلاس الدولة، وها هم سائرون إليه، كأنه يتمّ بإرادتهم وبرغبة منهم. وقبل عام الأزمة هذا وخلاله، انكشف المرضان الرئيسيان للبلد: فساد الطبقة الحاكمة وانعدام الثقة بها في الداخل، لكن خصوصاً في الخارج، وتسلّط «حزب الله» بسلاحه غير الشرعي ونجاحه في الترهيب حمايةً لفساده، كما في الترغيب حمايةً لفساد الوسط السياسي بمعظمه.
صُنّف انفجار مرفأ بيروت كارثةً عالمية لا تزال تحرّك المبادرات من حكومات عديدة ومنظمات إنسانية وحقوقية، وكان أمراً غير مسبوق أن الغالبية العظمى من الجهات المانحة لا تريد التعامل مع الدولة ودوائرها، فيما اختار بعضٌ منها الاعتماد على الجيش باعتباره آخر مؤسسة يمكن الوثوق بأن توصل المساعدات إلى مستحقّيها. أما منظومة السلطة اللبنانية، فأطلقت نحو مواطنيها إشارة تلو الإشارة إلى أن اهتمامها بتداعيات الكارثة وما بعدها لا ينفكّ يتلاشى.
أما ذريعة هذا التراجع، فهي أن المانحين لا يريدونها أن تتدخّل، ولم يكونوا مخطئين لأن جانباً من المساعدات جرى الاتجار به، بعدما مُنح إلى موظفين محسوبين عليها ولم يحوّل إلى هيئات المجتمع المدني التي تولّت عمليات الإغاثة. أما المساعدة العراقية، على سبيل المثال، التي تضمنت طحيناً خزّنته وزارة الاقتصاد بإهمال واضح، فأتلفت الأمطار كمية منه وبيعَت الكمية الأكبر إلى المخابز. وشكا متطوعون في منظمات، بينها «الصليب الأحمر»، من أن موالين لـ «حزب الله» وحركة «أمل» أو عصابات مسلحة اعترضوا شاحنات مساعدات، وصادروا حمولاتها التي ظهرت لاحقاً في متاجر.
هذه عيّنة من انهيار حاصل فعلاً، ويفاقمه أن أطراف الحكم لا تبحث عن سبل للبدء بمعالجة الأزمة التي تعاظمت صعوباتها واستحقاقاتها الموجعة. وحتى بعدما اندفع الرئيس الفرنسي للمساعدة، ودعا إلى مؤتمر دولي لجمع مساعدات إنسانية، ويعدّ لمؤتمر آخر لتلبية الحاجات الملحّة الصحية والتربوية والاجتماعية، عوملت مبادرته السياسية بكثير من المراوغة والتحايل. فالمطلوب عاجلاً تشكيل حكومة من اختصاصيين مستقلّين غير حزبيين لتنفيذ الإصلاحات التي حدّدها المجتمع الدولي وصندوق النقد الدولي كشرط للإقبال على مساعدة لبنان. غير أن شروط التحالف الثلاثي (الثنائي الشيعي وحزب رئيس الجمهورية) أطاحت محاولة الرئيس المكلّف مصطفى أديب تشكيل حكومة وفقاً للمبادرة الفرنسية، وهي حالياً في صدد تكبيل مهمة الرئيس المكلّف التالي سعد الحريري.
هناك أسباب للتعقيدات يمكن أن تُعزى إلى الارتباطات الخارجية للقوى السياسية، كأن يقال إن الصراع الأميركي- الإيراني يعرقل ولادة الحكومة، لكن شيئاً لا يمنع تلك القوى الداخلية من التوافق على ما يحقق مصلحة لبنان وشعبه، لو توفّر لديها حدّ أدنى من المسؤولية. فرغم أن هذه القوى تعلم يقيناً بأن المساهمة الخارجية وحدها تنتشل البلد من أزمته، إلا أنها ترفض تعليق تحاصصها للوزارات، ولا تزال تراهن على صفقات الفساد كما كانت قبل الأزمة. ومن الواضح أن ثمة خريطتَي طريق تتجاذبان الآن: الأولى إنقاذية رسمتها باريس، ويحتاج تفعيلها إلى حكومة مقبولة دولياً، بمعنى أن لا تكون تحت سطوة «حزب الله». والثانية يديرها هذا«الحزب» بهدف إغراق البلد في أزمته، فيما هو يوسّع نطاق هيمنته غير آبه بمعاناة اللبنانيين ولا بتردّي أوضاع الدولة.

نقلا عن الاتحاد

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.