كورونا.. الجائحة الغامضة واللقاح المثير

إميل أمين

نشر في: آخر تحديث:

ربما لم ترتعد البشرية المعاصرة، في المئة عام الأخيرة، من وباء بقدر خوفها من جائجة كوفيد -19، أو كورونا، تلك التي تخطت مرحلة الوباء الذي يصيب دولة بعينها إلى الجائحة التي تعم الكرة الأرضية برمتها.

حوالي العام منذ انتشار الجائحة، وما من رواية واحدة مؤكدة، أو تحقيق قوي ملموس ومحسوس يخبر البشر من أين جاء بالفعل، وهل هو فيروس طبيعي أم مخلق، وما إذا كانت الصين مصدره الحقيقي، أم أنه صدر إليها، فيما استطاعت هي تاليا صده، ومن ثم رده إلى خارجها.

قصة كورونا تكاد تدخل في دائرة الأساطير، لا سيما أن البعض اعتبر الجائحة نوعا من عقاب السماء للأرض، فيما البعض الآخر رأى في المشهد برمته صراعا بشريا، وقد يكون استخباراتيا، هدفه الرئيس تسنم قطبية العالم، ومن جديد تمضي الإنسانية في التخبط.

النتيجة الوحيدة المؤكدة حتى الساعة، هي نحو مليون ونصف ضحية للجائحة الغامضة، ومئات الملايين من المصابين، ويكفي لتقدير خطورة المشهد النظر إلى الولايات المتحدة الأميركية في الأيام الأخيرة، فقد تجاوز عدد الضحايا ثلاثة آلاف نسمة في اليوم، وأكثر من 200 ألف مصاب، أما الخسائر الاقتصادية فحدث عنها ولا حرج، وربما لو تعطل الاقتصاد العالمي أكثر من ذلك لحلت بالبشرية كارثة اقتصادية أشد هولا من تلك التي عرفها العالم في أوائل القرن العشرين.

ولعله من الطبيعي وتحت هول الحدث، ومع ارتفاع أعداد الضحايا، يضحى شأن اللقاح أمرا مهما وحيويا، والوصول إليه يصبح هدفا استراتيجيا، عله يقي الإنسانية أو بعضها على الأقل، من شر الوباء المنتشر بضراوة، لكن التساؤلات عريضة والمخاوف واسعة.

نهار الخميس الفائت أشار "هانز كلوج " المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا إلى أن الآمال في لقاحات كورونا كبيرة للغاية، ويحتمل أن تغير قواعد اللعبة، ما يعني إمكانية أن توقف انتشار تمدد الوباء، وتقلل من خسارته إلى أن يقضى عليه.

هل هناك لقاح واحد فقط في الأسواق لمواجهة كوفيد-19؟

في واقع الأمر هناك نحو 200 لقاح مرشح قيد التطوير، منها 48 قد وصلت لمرحلة التجارب السريرية، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، وأفضل اللقاحات المرشحة هي الخاصة بشركات " فايزر "، و"مودرنا"، و"استرازينيكا".

والشاهد أن اللقاح أو اللقاحات المتوافرة تثار من حولها الأسئلة العميقة، وفي المقدمة منها ما هو طبي تقليدي، ذلك أن أي لقاح معتمد يحتاج إلى سنوات من التجارب المعملية والسريرية، حتى يثبت نجاعته، ويوقن القائمون عليه من صدق نتائجه، وأقل هامش ممكن من التأثيرات الجانبية والتي تصاحب كل دواء في الأسواق.

هل ظهور اللقاح كفيل بالتأكيد على انتهاء الوباء على سطح الكرة الأرضية؟

في تقرير صادر عن مجلة " فورين افيرز " الأميركية الشهيرة، قام عليه الكاتبان جوش ميشود وجين كايتس، نجد أن تطوير اللقاح ليس سوى الخطوة الأولى في رحلة طويلة نحو القضاء على الوباء. وهناك المزيد من المهام الشاقة التي تنتظر صانعي السياسات والعاملين في مجال الصحة بعد قيام شركات الأدوية بشحن الجرعات الأولى.

ولعل الإشكالية الكبرى التي تواجه العالم على أبواب الشتاء، موصولة بعدد الجرعات اللازمة لتوزيعها حول الكرة الأرضية، وهناك حديث عن أن القضاء على كوفيد-19 يحتاج على الأقل إلى تطعيم نحو 70% من سكان كوكب الأرض، وهذا معناه حتمية توافر نحو خمسة مليارات جرعة من اللقاح في الوقت الحاضر، وهو أمر من المؤكد صعوبته التي تقارب استحالته في هذه الفترة الزمنية الوجيزة.

على أن علامة الاستفهام الأكثر حيرة وغرابة المطروحة على هامش حديث اللقاح المثير: هل غالبية شعوب العالم على استعداد بالفعل لتلقي اللقاح وتقبله بعقل واع وإرادة كاملة؟

في تقرير " الفورين بوليسي"، نجد أن هناك إشكالية بالفعل في هذا الإطار، حيث أجري استطلاع للرأي في 19 دولة من مختلف مناطق العالم، قال 71% فقط من المشاركين إنهم سيكونون مستعدين للتلقيح.

لكن استطلاع آخر شمل 15 دولة أظهر أن الرغبة في التلقيح قد تضاءلت في الأشهر الأخيرة من 59% إلى 54% في فرنسا على سبيل المثال، ومن 72% إلى 64 % في الولايات المتحدة.

ما الذي تعنيه تلك النتائج؟

المعنى والمبنى يذهب في واقع الحال في اتجاهين، الأول طبي علمي بحثي، والآخر يقع تحت دوائر أخرى من التفسير، بعضها يدخل في إطار فكر المؤامرة العالمية..

أما المعنى الأول فيتمحور حول المحددات والمعايير الطبية التي رأت اللقاحات فيها النور، وهل استوفت الشروط الواجبة طبيا، من أبحاث معملية، وتجارب سريرية، وبقية الاختبارات اللازمة لقياس إشكالية التبعات والاستحقاقات الناجمة عن دواء جديد.

هنا طفا على سطح الأحداث تساؤل له وجاهته، ذلك أنه كيف قصر العلماء والمعامل عن إيجاد لقاح لمرض الإيدز المنتشر منذ ستة وثلاثين عاما، واستطاع البعض إيجاد اللقاح في أقل من عام؟

التساؤل السابق من الناحية الطبية لا تشوبه شائبة، وقد تكون السرعة دافعها الخوف من المزيد من سقوط الضحايا، ومحاولة استنقاذ البشرية.

أما الجانب الآخر في المشهد فمرتبط بأحاديث طويلة وأكثر إثارة حول ماورائيات اللقاح، وهل الهدف الرئيس منه التلاعب في الجينات، أو التحكم في مستقبل البشرية، ومن تلك الأحاديث اعتبار اللقاح شفرة بشرية لا يمكن العيش أو العمل أو التنقل بغير الحصول عليه.

وفي كل الأحوال تبقى قصة كوفيد-19 أقرب إلى غموض الأساطير الإغريقية، وصراع الآلهة في جبال الأوليمب مع ربات الأقدار، وما بين الجائحة الأكثر غموضا في التاريخ الحديث، وبين اللقاح المخيف والمثير، تبقى البشرية في حيرة وقلق في النهار وأرق في الليل الإ ما رحم ربك.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.