يا معشر من آمن بلسانه

عادل الكلباني

نشر في: آخر تحديث:

في الوقت الذي تجد نفسك -أخي القارئ- غارقًا في متابعة أخبار الأرض والفضاء، ومنبهرًا بما أنجزه العقل من تقنيات تقرب البعيد، وتضخم الدقيق، حتى أن الإنسان ليرى مما يتكون جسمه بالدقة والتفصيل، ويتعمق في المعرفة حتى يرى الكواكب والنجوم بأحجامها وبعدها وعظمتها، وهو مع هذا وذاك، وبين هذا الكم من المعرفة يجد نفسه يعيش واقعًا يتنافى تمامًا مع عقليته المعرفية، فتجده عالقًا في الإساءة إلى الآخرين، لم يستفد من معرفته أن الكون بتناسقه ونظامه مبنيّ على تقدير دقيق، لا يتعدى فيه جمادٌ على آخر، "وكلّ في فلك يسبحون)" فقد جعل الله الكون أنموذجًا للتفكر والتدبر ليستفيد العقل عظةً وحكمة، فيترقى في معاملته مع بني جنسه.

في شريعة الإسلام جعل الله أسوارًا منيفة تحول بين الألسنة السيئة وبين أعراض الآخرين التي إن تُركت تلغ في أعراضهم لأهلكتهم وأفسدتهم، وذلك مصداقًا لقول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: "إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم" وهذا الإفساد المجتمعي ملازم لتفشي هذه الظاهرة المنهي عنها في الشريعة وهي تتبع عورات الناس، وفي التنزيل: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا".

وفي عورات الناس ما قد يوجب كشفه وفضحه القطيعةَ والهجران والأذية، وربما هلاك المسلم نفسه الذي يتعلق به الأمر، فقد يجتهد في إخفاء عورته وسترها عن أعين الناس، يرجو بذلك أن يرزق العزيمة والهدى لمفارقة ما يقارفه، فإذا بالفضيحة تجعله من المجاهرين وربما حملته المجاهرة على معاداة المصلحين والآمرين بالمعروف، وربما توغلت به مجاهرته إلى الإساءة للدين وللنصوص الشرعية التي تحرم ما يفعله، وكل ذلك أتى نتيجة لفعل من أرسل لسانه في أعراض الناس، ولم يبال بالنواهي والزواجر والقوارع التي تحذره من ذلك، والأسوأ هو استخدام وسائل التواصل والتقنيات الحديثة للملاسنة والمراشقة والمفاضخة، وإلباس فضح الآخرين وتتبع عوراتهم لباس "الدين النصيحة" و "النهي عن المنكر" ولم يفرق هؤلاء بين ما يجب ستره، وبين ما يوجب النصح والتبيين، وقد جعل الله لنا في "حد القذف" عبرة وعظة إذا تدبرها الناس عرفوا حرص الإسلام على السكينة الاجتماعية، فإنه لم يقبل في إثبات "الزنى" إلا أربعة شهود تتحد شهادتهم ورؤيتهم، فإذا اختلفت كان الحد في ظهورهم مهما ظُن فيهم الخير والصلاح، فإن هذه هي حدود الله، وهؤلاء الشهود قد أمروا قبل الشهادة بالستر وغض أبصارهم عن عورات الآخرين.

عورات الناس ليست محصورة في هذا المثل، فكل ما يكره المسلم أن يراه الآخرون فهو عورة، سواء كان الأمر محرمًا أو مباحًا من المباحات، وإنما سقت المثال لاعتقاد وظن الكثير من الناس أن فعل المحرم يوجب الفضيحة ويسقط حرمة المسلم، وهو ظن في غاية الجهل حتى إنك تجد كثيرًا ممن اتسم ببعض الصفات الطيبة يتساهل في أعراض مرتكبي بعض المعاصي والمخالفات، بل ويطلق لسانه في أعراض من عرف ومن لم يعرف ممن يختلف معهم في فقه أو رأي، وما أجمل ما قاله ابن القيم -رحمه الله-: "ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنى والسرقة وشرب الخمر، ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة، وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد مما بين المشرق والمغرب، وكم ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم، ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات، ولا يبالي ما يقول". هذا، والله من وراء القصد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.